"وول ستريت جورنال": "شبح 1975" يخيم على لبنان مع تمسك حزب الله بالسلاح
يواجه لبنان مرحلة بالغة الحساسية في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية المطالبة بفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها ونزع سلاح حزب الله، وسط مخاوف من أن رفض الحزب ترك السلاح سيؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات التي قادت البلاد إلى الحرب الأهلية عام 1975.
وذكرت جريدة "وول ستريت جورنال" الأميركية في تقرير مطول أن الدولة اللبنانية، التي تعاني من أزمات اقتصادية ومؤسساتية عميقة، تجد نفسها أمام تحدٍ مصيري يتمثل في استعادة احتكار السلاح وفرض سيادتها، في وقت يواصل فيه حزب الله التمسك بترسانته العسكرية رغم الخسائر التي تعرض لها خلال المواجهات الأخيرة مع إسرائيل.
دولة ضعيفة أمام نفوذ الحزب
وبحسب التقرير، فإن لبنان يواجه صعوبات كبيرة في إدارة أبسط متطلبات الدولة، من توفير الخدمات الأساسية إلى ضبط الوضع الأمني، بينما لا يزال حزب الله يحتفظ بنفوذ عسكري وسياسي واسع يجعله القوة المسلحة الأبرز داخل البلاد خارج إطار الدولة.
وأشار التقرير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير يتضمن التزامات تقضي باستعادة الدولة اللبنانية سيطرتها التدريجية على الأراضي اللبنانية وتفكيك البنية العسكرية للحزب، إلا أن التجارب السابقة أظهرت تعثر هذه الجهود نتيجة رفض الحزب التخلي عن سلاحه واستمرار اعتماده على قدراته العسكرية كأداة نفوذ رئيسية.
تصاعد التوترات الطائفية
وأكدت الصحيفة أن الحرب الأخيرة وما رافقها من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة خلفت أكثر من مليون نازح داخل لبنان، الأمر الذي أدى إلى زيادة حدة الاحتقان الطائفي والاجتماعي بين مختلف المكونات اللبنانية.
ووفقًا للتقرير، تتزايد مشاعر الغضب تجاه حزب الله في أوساط لبنانية واسعة ترى أن الحزب جر البلاد إلى مواجهة عسكرية جديدة دفعت المدنيين ثمنها الباهظ، سواء من خلال الدمار الذي طال مناطق واسعة أو موجات النزوح التي اجتاحت المدن والبلدات اللبنانية.
كما رصد التقرير حالات من التمييز ضد بعض النازحين الشيعة في مناطق مختلفة، في مؤشر على تنامي الانقسامات المذهبية التي يخشى كثير من اللبنانيين أن تتطور إلى مستويات أكثر خطورة إذا استمرت الأوضاع الحالية.
مخاوف من تكرار سيناريو الحرب الأهلية
ويرى مراقبون أن المشهد اللبناني الحالي يستحضر إلى حد كبير الظروف التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، عندما أدت الانقسامات الطائفية وانتشار الميليشيات وضعف مؤسسات الدولة إلى انهيار الأمن ودخول البلاد في سنوات طويلة من الصراع.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن مسؤولين وخبراء لبنانيين تحذيرات من أن أي محاولة لفرض نزع سلاح حزب الله بالقوة قد تفتح الباب أمام مواجهات داخلية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
وقال الجنرال اللبناني السابق خليل حلو إن الجميع يعرف كيف يمكن أن تبدأ مواجهة عسكرية مع حزب الله، لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بكيفية انتهائها، في إشارة إلى المخاطر الكبيرة التي قد تترتب على أي صدام داخلي.
الحزب بين الضغوط وإعادة بناء القدرات
وأوضحت "وول ستريت جورنال" أن الضربات الإسرائيلية التي تعرض لها حزب الله خلال حرب 2024 أضعفت قدراته بصورة ملحوظة، الأمر الذي أتاح فرصة أمام الدولة اللبنانية لتعزيز حضورها وانتخاب رئيس جديد للجمهورية والعمل على استعادة السيطرة على الجنوب.
لكن التقرير أشار إلى أن هذه الجهود فقدت زخمها لاحقًا مع استمرار الحزب في إعادة تنظيم صفوفه والعمل على ترميم قدراته العسكرية، ما أثار مخاوف إسرائيل والولايات المتحدة من عودة التهديدات الأمنية عبر الحدود.
وفي الوقت نفسه، يواصل الحزب الدفاع عن احتفاظه بالسلاح باعتباره جزءًا من استراتيجية "المقاومة"، بينما يرى خصومه أن استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة يمثل عقبة رئيسية أمام استقرار لبنان واستعادة سيادته الكاملة.
لبنان أمام مفترق طرق
ويرى التقرير أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الأزمة الداخلية مع الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران وإسرائيل. وبينما تتزايد المطالب بحصر السلاح بيد الدولة، تبرز مخاوف من أن يؤدي استمرار الاستقطاب السياسي والطائفي إلى تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج مشاهد الفوضى التي عرفتها البلاد خلال الحرب الأهلية.
ويخلص التقرير إلى أن نجاح الدولة اللبنانية في فرض سلطتها واستعادة ثقة المواطنين سيبقى مرتبطًا بقدرتها على معالجة ملف السلاح غير الشرعي وإعادة بناء المؤسسات، في حين أن استمرار الوضع الراهن قد يدفع البلاد إلى مزيد من عدم الاستقرار في مرحلة تعد من الأكثر حساسية منذ سنوات.