"إخفاق بعد 50 عاما من التجربة".. "ذا نيويورك تايمز": ماذا تبقى من مشروع الإسلام السياسي؟

بعد ما يقرب من نصف قرن على انطلاق الثورة الإيرانية التي قدمت نفسها باعتبارها النموذج الأبرز للحكم القائم على المرجعية الإسلامية، تتزايد التساؤلات حول مستقبل ما يعرف بـ"الإسلام السياسي" ومدى قدرته على الاستمرار كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "ذا نيويورك تايمز" الأميركية تقريراً مطولاً تناول ما وصفته بتراجع المشروع الإسلامي السياسي في المنطقة بعد عقود من الصعود والنفوذ.

وأشار التقرير إلى أن الثورة الإيرانية عام 1979 مثلت نقطة تحول تاريخية في العالم الإسلامي، حيث أعلن مؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، أن النظام الجديد سيقوم على تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة نموذج سياسي واجتماعي قادر على تحقيق العدالة والاستقلال ومواجهة النفوذ الأجنبي، كما سعت طهران، بحسب التقرير، إلى تصدير تجربتها خارج حدودها وتقديمها باعتبارها نموذجاً لتحرر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

ورغم أن إيران نجحت في الحفاظ على نظامها السياسي لعقود طويلة، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية مؤثرة، فإن "ذا نيويورك تايمز" ترى أن التجربة الإيرانية تمثل في الوقت نفسه إحدى أبرز الحالات التي تكشف الفجوة بين الشعارات الأيديولوجية والنتائج العملية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والعقوبات الدولية والاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

ولم تقتصر تجربة الإسلام السياسي على إيران وحدها، إذ شهدت دول عدة صعود أحزاب وحركات ذات مرجعية إسلامية وصلت إلى السلطة أو شاركت فيها بدرجات متفاوتة. ففي تركيا برزت الأحزاب الإسلامية في المشهد السياسي لعقود، بينما شهدت دول عربية عدة صعوداً ملحوظاً للإسلاميين بعد أحداث الربيع العربي، قبل أن تواجه هذه الحركات تحديات سياسية وأمنية وشعبية أدت إلى تراجع نفوذها في كثير من الحالات.

وبحسب التقرير، فإن الحركات الإسلامية تمكنت في فترات معينة من استقطاب قطاعات واسعة من الشارع عبر وعودها بتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتقديم نموذج للحكم أكثر قرباً من الهوية الدينية للمجتمعات. إلا أن تجربة ممارسة السلطة كشفت عن صعوبات كبيرة في تحويل هذه الشعارات إلى سياسات ناجحة قادرة على معالجة الأزمات الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار السياسي.

ونقلت الصحيفة عن باحثين ومتخصصين في شؤون الشرق الأوسط قولهم إن الإسلام السياسي لم يعد يتمتع بالمكانة التنظيمية والشعبية التي كان يحظى بها خلال العقود الماضية. فالكثير من الحركات الإسلامية فقدت جزءاً من قاعدتها الجماهيرية، بينما تراجعت قدرة بعضها على التأثير في الحياة السياسية نتيجة الضغوط الأمنية أو الانقسامات الداخلية أو الإخفاق في إدارة الحكم عندما أتيحت لها الفرصة.

ويرى التقرير أن المشهد الإقليمي الحالي يعكس تحولاً تدريجياً في أولويات المجتمعات العربية والإسلامية. فبدلاً من التركيز على الشعارات الأيديولوجية الكبرى، باتت قطاعات واسعة من المواطنين أكثر اهتماماً بالقضايا المرتبطة بالاقتصاد وفرص العمل والخدمات العامة والاستقرار المعيشي. وهو ما أضعف جاذبية الخطاب السياسي القائم على الهوية الدينية وحدها، ودفع كثيراً من الناخبين إلى تقييم الحكومات والأحزاب بناءً على أدائها العملي أكثر من مرجعياتها الفكرية.

كما يشير التقرير إلى أن التحديات الإقليمية المتلاحقة، من الحروب والصراعات الداخلية إلى الأزمات الاقتصادية العالمية، فرضت واقعاً جديداً على مختلف القوى السياسية في المنطقة، بما فيها الحركات الإسلامية. وفي ظل هذه المتغيرات، أصبحت القدرة على تقديم حلول ملموسة للمشكلات اليومية معياراً أكثر أهمية من الشعارات العقائدية التي شكلت أساس صعود تلك الحركات في العقود السابقة.

ومع ذلك، لا تعتبر "ذا نيويورك تايمز" أن الإسلام السياسي قد اختفى تماماً من المشهد، بل ترى أن حضوره لا يزال قائماً بأشكال مختلفة في عدد من الدول من خلال أحزاب سياسية أو جماعات اجتماعية أو تيارات فكرية. غير أن ما تراجع، وفقاً للتقرير، هو الزخم الذي رافق هذه الحركات خلال العقود الماضية، والاعتقاد الواسع بأنها تمثل البديل القادر على إعادة تشكيل المنطقة سياسياً واجتماعياً.

وفي المحصلة، يخلص التقرير إلى أن مشروع الإسلام السياسي، الذي شكّل أحد أبرز التيارات المؤثرة في الشرق الأوسط منذ أواخر القرن العشرين، يواجه اليوم اختباراً صعباً بعد نحو خمسين عاماً من التجارب المتنوعة. وبينما لا يبدو أن هذا التيار سيختفي بالكامل من الحياة السياسية، فإن مكانته كقوة صاعدة ومهيمنة لم تعد كما كانت، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعيد فيها مجتمعات المنطقة صياغة أولوياتها السياسية بعيداً عن الرهانات الأيديولوجية التي هيمنت على المشهد لعقود.

Previous
Previous

لحظة إعلان التلفزيون الإيراني التوصل لاتفاق وقف الحرب

Next
Next

توقيف رجل دين مقرب من حزب الله على خلفية التعدي على ضابط لبناني