في ظل اضطراب إمدادات النفط.. "أدنوك" الإماراتية تراهن على التصنيع المحلي بـ55 مليار دولار
وكالات - “جسور نيوز”
في خطوة تعكس تحولات عميقة في استراتيجية الطاقة العالمية، أعلنت "أدنوك" خطة ضخمة لضخ استثمارات بقيمة 55 مليار دولار لتعزيز قدرات التصنيع المحلي، في إطار مساعي الإمارات لتأمين سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الخارج، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وستوجه الاستثمارات إلى مشروعات ضخ واستخراج النفط حتى عام 2028، ضمن خطة إنفاق رأسمالي أوسع كانت قد أُقرت في العام الماضي، ما يعكس توجهاً استراتيجياً طويل الأمد لتعزيز مرونة قطاع الطاقة الإماراتي.
تحولات جيوسياسية تدفع نحو التصنيع المحلي
تأتي هذه الخطوة في توقيت حساس، حيث تتعرض البنية التحتية للطاقة في منطقة الشرق الأوسط لتهديدات متزايدة نتيجة الصراع مع إيران، وهو ما أثر بشكل مباشر على تدفقات النفط وسلامة الإمدادات. كما ساهمت تداعيات جائحة كوفيد-19 والتوترات التجارية العالمية في كشف هشاشة سلاسل التوريد الدولية، الأمر الذي دفع دولاً عدة، بينها الإمارات، إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الصناعية.
وفي هذا السياق، لم يعد تعزيز التصنيع المحلي خياراً اقتصادياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الإنتاج وحماية الاستثمارات الحيوية في قطاع الطاقة.
"أدنوك".. لاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي
تُعد "أدنوك" العمود الفقري لصناعة النفط في الإمارات، إذ تمثل الشركة الحكومية غالبية إنتاج الدولة من النفط والغاز، وتُصنف ضمن أكبر شركات الطاقة في العالم من حيث الإنتاج والاحتياطيات.
وتبلغ القدرة الإنتاجية الحالية للإمارات نحو 4.85 مليون برميل يومياً، مع خطط لرفعها إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، في إطار استراتيجية توسعية مدعومة باستثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا.
كما تمتلك الإمارات احتياطيات نفطية تُقدّر بنحو 111 مليار برميل، ما يجعلها واحدة من أكبر الدول المالكة للموارد الهيدروكربونية عالمياً، ويمنحها ثقلاً كبيراً في سوق الطاقة الدولية.
استثمارات ضخمة لتعزيز الإنتاج والتكامل الصناعي
لا تقتصر استراتيجية "أدنوك" على زيادة الإنتاج فقط، بل تمتد إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل الحفر والتكرير والبتروكيماويات، إلى جانب تطوير مشاريع الغاز الطبيعي والغاز المسال.
وقد ضخت الشركة بالفعل استثمارات تُقدّر بنحو 150 مليار دولار لتوسيع طاقتها الإنتاجية وتحقيق هدف 5 ملايين برميل يومياً، في واحدة من أكبر خطط التوسع في صناعة النفط العالمية.
كما تسعى إلى تعزيز القيمة المضافة داخل الدولة من خلال برامج توطين سلاسل التوريد الصناعية، وتقليل الاعتماد على الواردات، وخلق فرص اقتصادية جديدة داخل الإمارات.
بين إعادة التموضع الاستراتيجي والتحولات العالمية
تتزامن هذه التحركات مع توجهات أوسع لإعادة تموضع الإمارات كلاعب أكثر مرونة في سوق الطاقة العالمي، في ظل المنافسة الإقليمية والتغيرات المتسارعة في الطلب العالمي على النفط.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة تمنح أبوظبي مساحة أوسع للتحرك في تحديد سياساتها الإنتاجية وجذب الاستثمارات، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي للطاقة.
أمن الطاقة وسلاسل الإمداد في قلب الاستراتيجية
أظهرت التوترات في مضيق هرمز، والتي أدت إلى اضطراب تدفقات النفط في المنطقة، مدى هشاشة الإمدادات العالمية واعتمادها على ممرات بحرية حساسة.
وفي ظل هذه التحديات، تسعى الإمارات عبر "أدنوك" إلى بناء نموذج أكثر استدامة يعتمد على الإنتاج المحلي المتكامل، بما يشمل التصنيع والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
مستقبل الصناعة النفطية في الإمارات
رغم التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، تؤكد "أدنوك" أن الطلب على النفط سيظل قوياً خلال العقود المقبلة، مع استمرار الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للطاقة عالمياً.
وفي هذا الإطار، توازن الإمارات بين تعزيز إنتاج النفط التقليدي والاستثمار في مجالات الطاقة منخفضة الكربون والبتروكيماويات، في محاولة للحفاظ على موقعها كمورد رئيسي للطاقة العالمية، مع الاستعداد لمرحلة التحول الطاقي.
تحول استراتيجي
تعكس خطة "أدنوك" لضخ 55 مليار دولار في التصنيع المحلي تحولاً استراتيجياً يتجاوز حدود قطاع النفط، ليشمل إعادة هيكلة شاملة لسلاسل الإمداد وتعزيز الاكتفاء الصناعي.
وفي عالم يشهد اضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة، يبدو أن الإمارات تراهن على نموذج جديد يجمع بين قوة الإنتاج ومرونة الصناعة، لضمان موقعها في صدارة المشهد الطاقي العالمي خلال السنوات المقبلة.