محاصرون منذ 5 أشهر.. 6 آلاف بحار يواجهون مصيرًا مجهولًا في مضيق هرمز

لم تقتصر تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز على اضطراب أسواق الطاقة العالمية وتهديد حركة التجارة البحرية، بل امتدت لتصنع أزمة إنسانية صامتة يعيشها آلاف البحارة المدنيين العالقين في مياه الخليج منذ أكثر من خمسة أشهر، فبينما انشغل العالم بتداعيات الصراع على أسعار النفط وأمن الملاحة، وجد نحو 6 آلاف بحار أنفسهم محاصرين على متن سفنهم، يواجهون مخاطر الهجمات ونقص الإمدادات وضغوط العزلة، في انتظار مصير لا يزال مجهولًا.

وسلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على هذه الأزمة، ووصفت البحارة بأنهم "المنسيون" في الحرب، بعدما تحولوا إلى ضحايا غير مباشرين للتصعيد العسكري في المنطقة، رغم أنهم يؤدون أعمالًا مدنية لا علاقة لها بالنزاع.

آلاف البحارين عالقون

بدأت الأزمة في أواخر فبراير الماضي، عندما أغلقت إيران مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى شلل واسع في حركة الملاحة داخل الخليج العربي.

ووفقًا لتقديرات المنظمة البحرية الدولية، تسبب الإغلاق في احتجاز نحو 1500 سفينة وعلى متنها ما يقرب من 20 ألف بحار، بعدما تعذر عليهم مغادرة الخليج أو استكمال رحلاتهم التجارية.

ومع مرور الأشهر، تمكنت مئات السفن من العبور مستفيدة من فترات هدوء نسبي أو ترتيبات أمنية مؤقتة، إلا أن الأزمة لم تنتهِ، إذ لا يزال نحو 6 آلاف بحار على متن مئات السفن داخل الخليج، في ظل استمرار المخاطر الأمنية وعدم وجود ضمانات كافية لسلامة الملاحة.

"فرانشيسكا".. سفينة تحولت إلى سجن

وتبرز سفينة الحاويات "فرانشيسكا" باعتبارها واحدة من أكثر القصص الإنسانية تعبيرًا عن معاناة البحارة العالقين.

ففي 22 أبريل الماضي، احتجزت البحرية الإيرانية السفينة أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، ومنذ ذلك الحين يعيش طاقمها، المؤلف من نحو 24 بحارًا من جنسيات مختلفة، بينهم بحارة من الجبل الأسود والفلبين وإندونيسيا، تحت رقابة مشددة قبالة السواحل الإيرانية.

وذكرت الصحيفة أن أفراد الطاقم لا يُسمح لهم سوى بفترات محدودة جدًا لاستخدام الإنترنت كل عدة أيام، فيما لا يملكون أي معلومات عن موعد الإفراج عنهم أو السماح لهم بمغادرة السفينة، ما جعل حياتهم معلقة بين البحر والانتظار.

حياة تحت التهديد

ولا تقتصر معاناة البحارة على البقاء بعيدًا عن أسرهم، بل يواصل كثير منهم العمل يوميًا للحفاظ على تشغيل السفن وصيانة معداتها ومراقبة الشحنات، رغم وجودهم في واحدة من أكثر المناطق البحرية توترًا في العالم.

وتقول منظمات بحرية إن العديد من البحارة اضطروا إلى تمديد عقود عملهم قسرًا بسبب تعذر تبديل الأطقم، بينما يواجه آخرون نقصًا في الأغذية الطازجة والأدوية والإمدادات الأساسية، فضلًا عن الضغوط النفسية الناتجة عن العزلة الطويلة والخوف المستمر من التعرض لهجمات عسكرية أو احتجاز جديد.

كما أدى استمرار الأزمة إلى حرمان آلاف البحارة من العودة إلى أوطانهم في المواعيد المقررة، في وقت ينتظر فيه أفراد أسرهم أي أخبار تطمئنهم على سلامتهم.

جهود للإجلاء لكن لم تكتمل

ومع إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران خلال يونيو الماضي، بدأت بوادر انفراج في الأزمة، إذ عملت المنظمة البحرية الدولية، بالتنسيق مع عدد من الدول المطلة على الخليج، على وضع ترتيبات تسمح بخروج السفن العالقة عبر ممرات بحرية أكثر أمانًا.

وبالفعل، تمكنت أعداد من السفن من مغادرة الخليج، ما ساهم في خفض عدد البحارة العالقين من نحو 20 ألفًا إلى حوالي 6 آلاف، غير أن استمرار المخاطر الأمنية والهجمات المتفرقة أبقى مئات السفن داخل المنطقة، وأوقف عمليات الإجلاء الشاملة التي كانت تأملها شركات الملاحة.

شريان التجارة العالمية

ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

وخلال الأشهر الماضية، دفعت المخاطر الأمنية عددًا من شركات الشحن إلى تعليق رحلاتها أو تغيير مسارات سفنها، كما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن بصورة ملحوظة، في ظل المخاوف من استهداف السفن التجارية أو احتجازها.

ورغم أن الاهتمام الدولي انصب في المقام الأول على تداعيات الأزمة على أسواق النفط، فإن أوضاع البحارة ظلت تحظى باهتمام أقل، رغم أنهم يمثلون الحلقة الأكثر هشاشة في سلسلة النقل البحري.

أزمة إنسانية مفتوحة

وترى منظمات بحرية وحقوقية أن استمرار بقاء آلاف البحارة على متن سفنهم لفترات تتجاوز عقود عملهم يمثل أزمة إنسانية تتطلب تحركًا دوليًا، سواء لتأمين ممرات بحرية آمنة أو ضمان تبديل الأطقم وإعادتهم إلى بلدانهم.

وبالنسبة للبحارة العالقين، لم تعد الأزمة مجرد اضطراب في حركة الملاحة أو خلاف جيوسياسي بين دول، بل تحولت إلى معاناة يومية يعيشونها في عرض البحر، حيث تمتزج مشاعر القلق والخوف والانتظار، بينما يترقب نحو 6 آلاف بحار نهاية لأزمة لم يختاروها، ولا يعرفون متى ستسمح لهم بالعودة إلى منازلهم.

Next
Next

أول ظهور للفنانة شيرين بعد غياب طويل استعدادا لحفلة الساحل الشمالي