"ذا بانكر": الإمارات محطة رئيسية في خريطة التجارة العالمية الجديدة
تتجه خريطة التجارة العالمية إلى إعادة التشكل بفعل التوترات الجيوسياسية، وتوسع التجارة بين دول الجنوب، وتسارع التحول الرقمي، وهي تحولات تفتح مسارات جديدة أمام اقتصادات ومراكز تجارية ومالية قادرة على التعامل مع أكثر من كتلة اقتصادية في الوقت نفسه، وفق تقرير نشرته مجلة "ذا بانكر" البريطانية ضمن تقرير خاص عن الجغرافيا الجديدة للتجارة العالمية.
ويرى التقرير أن الإمارات تأتي ضمن الدول الأكثر استعدادا للاستفادة من تدفقات التجارة والاستثمار التي يعاد توجيهها، إلى جانب الهند وفيتنام وسنغافورة، مستفيدة من موقعها كمركز تجاري ومالي، ومن شبكة علاقاتها الاقتصادية الممتدة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، في وقت تتجه فيه الشركات إلى تنويع سلاسل الإمداد ومسارات التجارة.
وأوضح "ذا بانكر" أن الإمارات نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ موقعها باعتبارها أحد أبرز المراكز التجارية والمالية في المنطقة، إلا أن التحولات الحالية تفرض عليها التعامل مع بيئة أكثر تعقيدا، تتسم بتصاعد المنافسة بين المراكز التجارية، وتغير مسارات التجارة، والمخاطر المرتبطة بالتوترات والصراعات في محيطها الإقليمي.
موقع يستفيد من تعدد الشراكات
وأشار التقرير إلى أن قدرة الإمارات على بناء علاقات اقتصادية مع أطراف تنتمي إلى كتل جيوسياسية مختلفة تمنحها مساحة للمناورة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
ونقل "ذا بانكر" عن فريدريك شنايدر، الباحث غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، قوله إن الإمارات تمثل "الميناء التجاري الأبرز في الخليج وأحد أهم المراكز التجارية في المنطقة الأوسع"، مشيرا إلى أن توسع التجارة بين دول الجنوب يمكن أن يخدم نقاط القوة التي تتمتع بها الدولة باعتبارها مركزا تجاريا متصلا بعدد كبير من الأسواق.
وتستند الإمارات في تعزيز هذا الدور إلى مجموعة من الشراكات والاتفاقيات، من بينها اتفاقيات التجارة الثنائية مع دول مثل الهند وتركيا، إلى جانب عضويتها في مجموعة بريكس، ودورها في ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي المخطط له.
وبحسب التقرير، فإن هذه الروابط تسهم في تعميق اندماج الإمارات في شبكات التجارة والاستثمار الممتدة عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تمنحها إمكانية التعامل مع تحولات التجارة العالمية دون التخلي عن علاقاتها الاقتصادية التقليدية مع الدول الغربية.
دبي بوابة للشركات الصينية
ولا يقتصر الدور الذي ترسمه التحولات التجارية الجديدة للإمارات على حركة السلع، إذ يشير "ذا بانكر" إلى استمرار الأهمية المالية لدبي بالنسبة للشركات والمؤسسات الصينية التي تتوسع في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.
ونقل التقرير عن ألفريدو مونتوفار-هيلّو، المدير الإداري لشركة "أنكورا" في بكين، أن دبي تحتفظ بقيمة استراتيجية بالنسبة إلى الشركات الصينية، إذ تستخدمها الشركات والبنوك الصينية قاعدة لتمويل وإدارة عمليات التوسع في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع تزايد استخدام اليوان في تسوية بعض المعاملات المرتبطة بهذه الأنشطة.
ويضيف التقرير أن استمرار هذا الدور يعتمد في جانب منه على قدرة دبي على الحفاظ على بيئة أعمال آمنة ومستقرة، خصوصا مع استمرار المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يرى "ذا بانكر" أن علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع الاقتصادات الآسيوية يمكن أن تتعمق، مع تزايد أهمية الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ليس فقط باعتبارها أسواقا للطاقة، وإنما أيضا كمصادر للاستثمار والتكنولوجيا والتجارة والنمو.
تنويع سلاسل الإمداد
ويربط التقرير بين التحولات الجيوسياسية المتسارعة وبين اتجاه الشركات الآسيوية إلى إعادة النظر في سلاسل الإمداد، وتنويع مصادرها ومساراتها التجارية بهدف زيادة قدرتها على مواجهة الاضطرابات.
وقد يمثل هذا الاتجاه فرصة إضافية للإمارات، إذا تمكنت من الحفاظ على اتصالها بالأسواق المختلفة وتطوير بنيتها التحتية وممراتها التجارية واللوجستية.
ونقل "ذا بانكر" عن تيم فوكس، الشريك المعني بالسياسات والاقتصاد في "كابيتال غيت أدفايزرز"، أن الشركات لا تحتاج بالضرورة إلى بيئة خالية تماما من المخاطر، لكنها تحتاج إلى قدر من القدرة على التنبؤ واستمرارية العمليات.
وبحسب فوكس، فإن قدرة الإمارات على الحفاظ على استمرارية عملياتها وتوفير بوابة آمنة للشركات الآسيوية إلى أسواق أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط يمكن أن تعزز جاذبيتها كمركز تجاري ولوجستي، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والاستفادة من سمعتها في مجال الموثوقية.
ويرى التقرير أن التحولات الحالية تمنح الدول والمراكز القادرة على الربط بين مناطق اقتصادية مختلفة فرصا جديدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها تطوير البنية التحتية والحفاظ على استمرارية الخدمات وتعزيز قدرتها على التكيف مع تغير طرق التجارة.
وفي هذا السياق، تبدو الإمارات أمام مرحلة جديدة من المنافسة على موقعها في الاقتصاد العالمي، مع انتقال جزء من ثقل التجارة والاستثمار نحو مسارات أكثر تنوعا بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وبحسب "ذا بانكر"، فإن قدرة الدولة على الحفاظ على دورها كحلقة وصل بين هذه الأسواق، مع استمرار علاقاتها مع المراكز الاقتصادية الغربية، قد تجعلها محطة رئيسية في خريطة التجارة العالمية التي يعاد تشكيلها.