"نيويورك تايمز": الزيدي يواجه تمرداً من الفصائل الموالية لإيران

سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التحديات المتصاعدة التي يواجهها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، في ظل محاولاته فرض سلطة الدولة على الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وهي المهمة التي تصطدم برفض بعض أقوى الجماعات المسلحة في البلاد الانصياع لقرارات الحكومة.

وبحسب الصحيفة، فإن الزيدي، الذي تولى منصبه أواخر أبريل الماضي، وجد نفسه منذ الأيام الأولى أمام ضغوط داخلية وخارجية متشابكة، أبرزها مطالب الإدارة الأميركية بضرورة الحد من نفوذ الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة، وإعادة رسم العلاقة بين بغداد وطهران بما يضمن تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق.

وأشارت الصحيفة إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مارست ضغوطاً كبيرة على بغداد قبل تشكيل الحكومة الجديدة، حيث أوقفت الولايات المتحدة تحويل شحنات الدولار إلى العراق، رغم أنها عائدات مستحقة من صادرات النفط العراقية، كما علّقت تمويلاً مخصصاً للأجهزة الأمنية العراقية. وجاءت هذه الخطوات في إطار مطالب أمريكية واضحة بضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.

ويعكس هذا التطور حجم التعقيدات التي تحكم المشهد العراقي، إذ ظل العراق طوال السنوات الماضية ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة وإيران، الحليفين الرئيسيين لبغداد، اللذين تحولا في أكثر من مناسبة إلى طرفين متصارعين على الأرض العراقية عبر مواجهات غير مباشرة وحروب نفوذ متواصلة.

وفي محاولة لإظهار جدية حكومته، أصدر الزيدي خلال الشهر الماضي قراراً يقضي بخضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة المباشرة، مؤكداً أن أي قوة مسلحة يجب أن تعمل ضمن الأطر القانونية والمؤسسات الرسمية المعترف بها.

غير أن هذه الخطوة لم تمر بهدوء، إذ قوبلت برفض من عدد من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، التي ترى في هذه الإجراءات تهديداً لنفوذها السياسي والعسكري المتراكم منذ سنوات. وتعد "كتائب حزب الله" من أبرز تلك الفصائل الرافضة، حيث تتمتع بنفوذ واسع داخل العراق، وتُتهم من قبل الولايات المتحدة بالوقوف وراء هجمات استهدفت مصالح وقواعد أمريكية خلال الأشهر الأخيرة.

وتشير الصحيفة إلى أن "كتائب حزب الله" ليست مجرد فصيل مسلح تقليدي، بل تمثل جزءاً من شبكة معقدة من القوى العسكرية والسياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، ما يجعل أي محاولة لإخضاعها الكامل لسلطة الدولة مهمة شديدة الصعوبة.

كما لفتت إلى أن الجماعة تبنت أو ارتبط اسمها بعدد من العمليات المثيرة للجدل، من بينها هجمات ضد أهداف أمريكية داخل العراق، فضلاً عن اتهامات بالضلوع في عمليات خطف، كان من أبرزها قضية اختطاف صحفي أمريكي في بغداد خلال العام الجاري.

وترى "نيويورك تايمز" أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بملف السلاح، وإنما تعكس صراعاً أعمق حول طبيعة الدولة العراقية ومستقبل موازين القوى داخلها. فبينما تسعى الحكومة إلى احتكار استخدام القوة المسلحة وترسيخ مفهوم الدولة المركزية، تتمسك بعض الفصائل بدورها السياسي والعسكري الذي اكتسبته خلال سنوات الحرب ضد تنظيم "داعش" وما تلاها من تطورات أمنية.

ويكتسب هذا الملف حساسية إضافية في ظل المتغيرات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما التفاهمات الأمريكية - الإيرانية التي أعقبت الحرب الأخيرة بين الطرفين، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة، بما في ذلك تقليص نفوذ الجماعات المسلحة الحليفة لطهران في عدد من الدول.

وتؤكد الصحيفة أن ما يواجهه الزيدي ليس تحدياً جديداً بالكامل، إذ سبق للحكومات العراقية المتعاقبة أن حاولت مراراً ضبط سلاح الفصائل وإخضاعها للمؤسسات الرسمية، إلا أن هذه المحاولات انتهت في معظمها إلى نتائج محدودة بسبب التعقيدات السياسية والطائفية والأمنية التي تحيط بهذا الملف.

ومع ذلك، فإن الضغوط الأمريكية الحالية، إلى جانب الظروف الاقتصادية التي يمر بها العراق، قد تمنح الحكومة الجديدة دوافع إضافية للمضي في مشروعها، خاصة أن استمرار الدعم المالي والأمني الدولي بات مرتبطاً بقدرة بغداد على إثبات سيطرتها على مختلف التشكيلات المسلحة.

وفي المقابل، تبدو الفصائل الرافضة مستعدة للدفاع عن مواقع نفوذها، ما ينذر بصدام سياسي وربما أمني إذا لم يتم التوصل إلى تسويات توازن بين مطالب الدولة ومصالح القوى المسلحة المؤثرة.

وتخلص الصحيفة إلى أن نجاح الزيدي أو فشله في هذه المهمة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الدولة العراقية خلال السنوات المقبلة، كما سيكشف ما إذا كانت بغداد قادرة أخيراً على إنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة، أم أن البلاد ستبقى أسيرة التوازنات الهشة التي حكمت المشهد السياسي والأمني منذ سنوات.

Next
Next

منتجات NH4.. الفنان السوري معتصم النهار يكشف أسرار مشروعه الجديد