شهادات الإيرانيين الفارين من الحرب: هربوا من القصف والغلاء

تحولت نقطة العبور الحدودية في كابيكوي بين إيران وتركيا إلى شريان حياة أخير لآلاف الإيرانيين الهاربين من الحرب مع أميركا وإسرائيل التي دخلت أسبوعها الرابع، حيث تختلط مشاعر الخوف والقلق بالحنين والانتظار، وفق ما نقلته جريدة "وول ستريت جورنال" في تقرير ميداني يرصد شهادات الفارين والعائدين على حد سواء.

شهادات الفارين: خوف من القصف ومصير مجهول

تُجمع روايات الإيرانيين الذين غادروا بلادهم مؤقتًا أو بحثًا عن ملاذ آمن على أن قرار الرحيل لم يكن سهلاً، بل جاء تحت وطأة الخوف من القصف وتدهور الأوضاع المعيشية.

تروي أم من طهران كيف دفعتها أصوات الانفجارات المتصاعدة إلى اتخاذ قرار سريع بإنقاذ طفلتها البالغة من العمر ثماني سنوات، حيث استقلت حافلة استغرقت يومًا كاملاً للوصول إلى الحدود التركية، لم يكن الرحيل بالنسبة لها خيارًا بقدر ما كان ضرورة لحماية ابنتها من خطر داهم. وتقول: “الرحلة كانت صعبة للغاية، وكنت أخشى طوال الوقت أن يسقط صاروخ فوق رؤوسنا في أي لحظة”.

وفي مشهد آخر يعكس حجم المعاناة، جلست سيدة سبعينية على الرصيف تنتظر وسيلة نقل تقلها إلى المطار، بعد أن قضت ليالي في غرفة بلا نوافذ هربًا من شظايا القصف. ورغم أنها لم تشعر بالخوف وهي في طهران، إلا أن مغادرتها فجّرت داخلها قلقًا أكبر بشأن مستقبل البلاد، لتقول بمرارة: “لا أعرف ماذا سيحدث لإيران”.

أما طالبات وشباب في مقتبل العمر، فقد حملوا معهم مشاعر ثقيلة تفوق أمتعتهم. طالبة عشرينية عبرت الحدود برفقة كلبها، متجهة للإقامة مؤقتًا لدى أقاربها في تركيا، عبّرت عن حالة عامة بقولها: “نحن جميعًا مرضى لأننا نحمل هذا الحزن من أجل بلدنا”.

ولا تقتصر المعاناة على الخوف المباشر من القصف، بل تمتد إلى الانقطاع عن العالم الخارجي. فالإغلاق شبه الكامل للإنترنت داخل إيران جعل كثيرين يشعرون بالعزلة التامة. أحد العمال قال إنه لم يعد قادرًا على التواصل مع زوجته وطفله، مضيفًا بقلق: “لا يوجد إنترنت، لا أعرف ماذا يحدث لهم”.

في المقابل، حملت بعض الشهادات نظرة أكثر تعقيدًا؛ إذ رأى بعض الإيرانيين أن الضربات العسكرية، رغم قسوتها، قد تمثل فرصة للتغيير. أحد المرشدين السياحيين قال إن الإيرانيين “لا يستطيعون تغيير النظام بمفردهم”.

العائدون إلى الداخل: رحلة عكس التيار نحو المجهول

على الجانب الآخر من المشهد، برزت فئة مختلفة من الإيرانيين الذين اختاروا العودة إلى بلادهم رغم المخاطر، مدفوعين بروابط عائلية أو انقطاع التواصل مع أحبائهم.

عامل بناء كان يعمل في تركيا قرر العودة إلى مدينة أورمية بحثًا عن زوجته وطفله، بعد أن انقطعت أخبارهما بسبب حجب الإنترنت. لم يكن يملك رفاهية الانتظار، بل اختار مواجهة المجهول بدلاً من البقاء في قلق دائم خارج البلاد.

كما أظهرت شهادات أخرى أن بعض العائدين هم من الإيرانيين المقيمين في الخارج، الذين صادف وجودهم في البلاد عند اندلاع الحرب، فحاولوا المغادرة ثم عادوا مجددًا بحثًا عن أقارب أو لتسوية أوضاعهم.

هذه الرحلات العكسية تعكس مفارقة لافتة: في الوقت الذي يهرب فيه البعض من الخطر، يندفع آخرون نحوه بدافع إنساني أو عائلي، ما يبرز حجم التمزق الذي تعيشه الأسر الإيرانية في ظل الحرب.

اقتصاد منهار وحرب تزيد الجراح

بعيدًا عن شهادات الأفراد، يكشف التقرير أن الحرب جاءت لتفاقم أزمة اقتصادية كانت تعصف بإيران بالفعل. فقبل اندلاع القصف، كانت البلاد تعاني من تضخم مرتفع وانهيار في العملة، ما دفع ملايين الإيرانيين إلى حافة الفقر.

ويقول رجل مسن من تبريز إن الأسعار ارتفعت بشكل ملحوظ، مضيفًا: “لا توجد وظائف، ولا يوجد مال”، في تلخيص قاسٍ لواقع اقتصادي مأزوم. هذه الأوضاع كانت قد فجّرت احتجاجات شعبية واسعة في الأشهر السابقة، انتهت بقمع دموي خلّف آلاف الضحايا.

ورغم كل ذلك، لا يبدو أن كثيرين يتوقعون تغييرًا سياسيًا جذريًا في المدى القريب. إذ يرى عدد من الإيرانيين أن النظام سيبقى، حتى مع استمرار الضربات، بل إن بعضهم يعتقد أن الحرب قد تعزز تماسكه مؤقتًا، باعتباره الجهة التي تمتلك القوة العسكرية للدفاع عن البلاد.

نزوح محدود خارجيًا... وكارثة داخلية صامتة

تشير الأرقام إلى أن حركة العبور عبر الحدود لم تشهد انفجارًا كبيرًا حتى الآن. فخلال فترة أسبوعين، عبر نحو 26 ألف إيراني إلى تركيا، وهو رقم قريب من المعدلات الطبيعية، فيما عاد عدد مماثل تقريبًا إلى الداخل.

لكن الصورة تختلف جذريًا داخل إيران، حيث تشير التقديرات إلى نزوح داخلي واسع قد يصل إلى مليون أسرة، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية بعيدًا عن الأنظار.

كما أن إغلاق المجال الجوي الإيراني جعل الحدود البرية، مثل معبر كابيكوي، المنفذ الرئيسي شبه الوحيد للخروج والدخول، وهو ما يفسر الضغط المتزايد على هذه النقاط.

بين الأمل والخوف: مستقبل غامض

في المجمل، تعكس شهادات الإيرانيين حالة مركبة من الخوف والواقعية القاسية. فبين من يهرب مؤقتًا على أمل العودة، ومن يعود رغم المخاطر بحثًا عن عائلته، ومن يرى في الحرب فرصة للتغيير، تتشكل لوحة إنسانية معقدة.

وتبقى القناعة المشتركة لدى كثيرين أن الأيام المقبلة ستكون أصعب، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها.

وفي ختام هذا المشهد، تبرز صورة الإيراني العالق بين خيارين أحلاهما مرّ: البقاء تحت القصف أو الرحيل نحو مستقبل مجهول، وهو ما لخصته جريدة "وول ستريت جورنال" في تقريرها الذي نقل نبض الشارع الإيراني من قلب المعاناة، حيث لا تزال الأسئلة أكبر من الإجابات، والمخاوف أعمق من أي تطمينات.

Next
Next

غارة إسرائيلية تدمر مركز شرطة تبريز بإيران