"ناشونال إنترست": القوات المساندة للجيش السوداني مصدر تهديد محتمل بعد انتهاء الحرب
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد المشهد العسكري في السودان مقتصرًا على قوتين رئيسيتين، إذ بات الجيش يعتمد على شبكة واسعة من الحركات المسلحة والقوات المحلية والجماعات الأيديولوجية التي تقاتل إلى جانبه، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول هذه القوى من أدوات مساندة في الحرب إلى مراكز قوة مسلحة يصعب دمجها أو تفكيكها بعد توقف القتال.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "ناشونال إنترست" فإن أحد التحديات الأساسية أمام أي تسوية للحرب السودانية يتمثل في أن وقف إطلاق النار لن يكون كافيًا لإنهاء الصراع، في ظل احتمال خروج السودان من الحرب وهو يضم خمس أو ست قوى مسلحة كبيرة، لكل منها قياداتها وأسلحتها وشبكاتها السياسية ومناطق نفوذها.
حركات دارفورية إلى جانب الجيش
ويشير التحليل إلى أن الجيش السوداني يعتمد في قتاله على مجموعة من الحركات المسلحة الدارفورية والقوات المحلية، إلى جانب مجموعات من المدنيين والجماعات ذات التوجهات الأيديولوجية.
ومن أبرز القوى التي يذكرها التحليل القوة المشتركة التي تضم عددًا من الحركات المسلحة في دارفور، وفي مقدمتها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم.
وكانت هذه الحركات قد خاضت لسنوات مواجهات مسلحة ضد الحكومة السودانية السابقة، قبل أن يؤدي اتفاق جوبا للسلام عام 2020 إلى إدماجها سياسيًا في العملية الانتقالية، فيما ظل دمج قواتها عسكريًا داخل مؤسسة عسكرية موحدة أقل تقدمًا.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، أعادت هذه الحركات تموضعها عسكريًا، وأصبحت أجزاء منها تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، خصوصًا في إقليم دارفور.
"درع السودان" و"البراء بن مالك"
ولا تقتصر القوات المساندة للجيش على الحركات المسلحة التي نشأت في دارفور، إذ يشير تحليل "ناشونال إنترست" أيضًا إلى قوات درع السودان وكتيبة البراء بن مالك ضمن القوى التي ظهرت أو تعزز حضورها خلال الحرب.
ويعكس وجود هذه التشكيلات، إلى جانب الحركات المسلحة والقوات المحلية، اتساع دائرة القوى التي تحمل السلاح إلى جانب الجيش، في وقت أصبحت فيه الحرب بحاجة إلى عدد متزايد من الفاعلين العسكريين للحفاظ على خطوط القتال ومواجهة الدعم السريع.
وتحذر المادة من أن هذا الواقع قد يخلق مشكلة مختلفة بعد انتهاء الحرب؛ فالقوات التي تتعاون حاليًا مع الجيش في مواجهة خصم مشترك قد لا تتخلى بسهولة عن أسلحتها أو نفوذها، خصوصًا إذا كانت تمتلك قيادات مستقلة وقواعد اجتماعية أو سياسية ومناطق نفوذ خاصة بها.
من حلفاء الحرب إلى "جيوش موازية"
وترى "ناشونال إنترست" أن جذور المشكلة تعود إلى نمط قديم في السودان، تمثل في لجوء الحكومات المتعاقبة إلى تشكيل أو دعم قوات غير نظامية لمواجهة التمردات المسلحة، وهو ما أضعف تدريجيًا احتكار الدولة للسلاح.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار الاعتماد على تشكيلات مسلحة متعددة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة ذاتها بصورة مختلفة، عبر تكريس وجود عدة مراكز عسكرية داخل الدولة بدل استعادة احتكار المؤسسة العسكرية الرسمية للسلاح.
خطر الجماعات الأيديولوجية
ويبرز التحليل كذلك وجود جماعات ذات توجهات أيديولوجية ضمن المعسكر الداعم للجيش، وهو ما يزيد تعقيد عملية بناء مؤسسة عسكرية موحدة بعد الحرب.
ولا تضع المادة هذه الجماعات باعتبارها العامل الوحيد أو الرئيسي في الأزمة، لكنها تحذر من أن استمرار وجود قوى مسلحة متعددة، بما فيها الجماعات ذات التوجهات الأيديولوجية، قد يفتح الباب أمام نفوذ أطراف خارجية أو جماعات متطرفة، فضلًا عن زيادة صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة.
وتكمن المشكلة، وفق هذا الطرح، في أن إنهاء القتال بين الجيش والدعم السريع لا يعني بالضرورة انتهاء خطر الحرب، إذا بقيت الأسلحة موزعة بين تشكيلات متعددة قادرة على إعادة تنظيم نفسها أو الدخول في صراعات جديدة على النفوذ والسلطة.
مهمة ما بعد الحرب
وتدعو "ناشونال إنترست" الولايات المتحدة والوسطاء الدوليين إلى جعل نزع السلاح ودمج القوات المسلحة جزءًا أساسيًا من أي مفاوضات لإنهاء الحرب، وليس ملفًا يُترك إلى مرحلة ما بعد التسوية.
كما تقترح ربط ترتيبات تقاسم السلطة بتحقيق تقدم قابل للقياس في عملية دمج القوات، إلى جانب حصر الجماعات المسلحة وأسلحتها وقياداتها، والتدقيق في أهلية القادة والمقاتلين واستبعاد أو محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.
وبذلك، فإن التحدي الذي يواجه السودان لا يتعلق فقط بكيفية إنهاء الحرب بين الجيش والدعم السريع، وإنما أيضًا بكيفية التعامل مع القوى المسلحة التي ساعدت الجيش على خوض الحرب. فهذه القوى قد تكون حليفًا عسكريًا في مواجهة الدعم السريع، لكنها قد تتحول، إذا بقيت خارج مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، إلى أحد العوامل التي تهدد استقرار السودان بعد توقف القتال.