أكبر أزمة إنسانية في العالم.. دراسة تنتقد غياب الاهتمام الدولي بالسودان
حذرت دراسة لجامعة ديكين الأسترالية من تراجع اهتمام المجتمع الدولي بالوضع في السودان، الذي يمر بأكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً، مؤكدة أن ملايين السودانيين يواجهون أوضاعاً إنسانية متدهورة في ظل استمرار الحرب وتراجع التمويل الدولي المخصص لعمليات الإغاثة.
وأعد الدراسة كل من الباحث ماكس كيلي، والأكاديمية جوليا هارتليوس، والباحثة السودانية-البريطانية ميادة المكي، واستندت إلى مقابلات ميدانية مع قادة مبادرات الإغاثة المحلية ومنظمات المجتمع المدني في عدد من المناطق السودانية المتضررة من النزاع.
وأشارت الدراسة إلى أن السودان دخل عامه الرابع من الحرب الأهلية وسط ظروف إنسانية كارثية، في وقت تتجه فيه أنظار العديد من الحكومات والمنظمات الدولية إلى أزمات أخرى حول العالم، ما أدى إلى تراجع الدعم والاهتمام بالأوضاع داخل البلاد.
وتؤكد الدراسة أن تداعيات الحرب في السودان تجاوزت حدود المواجهات العسكرية، لتشمل أزمة إنسانية واسعة النطاق تمثلت في مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، فيما تشير تقديرات أوردتها الدراسة إلى أن عدد الضحايا قد يتجاوز 150 ألف شخص، إضافة إلى نزوح أكثر من 15 مليون مدني داخل السودان وخارجه، بينما يواجه نحو 19 مليون شخص مستويات حادة من الجوع وانعدام الأمن الغذائي.
وترى الدراسة أن هذه الأرقام جعلت السودان يشهد ما تصفه منظمات دولية عديدة بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم حالياً، إلا أن حجم الاستجابة الدولية لا يزال أقل بكثير من مستوى الاحتياجات الفعلية على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، سلط الباحثون الضوء على الدور الذي تؤديه "غرف الاستجابة للطوارئ"، وهي شبكات تطوعية محلية تشكلت في مختلف أنحاء السودان لتقديم الغذاء والمياه والخدمات الأساسية للمتضررين من الحرب.
وأوضحت الدراسة أن هذه المبادرات تستند إلى مفهوم سوداني تقليدي يعرف باسم "النفير"، وهو شكل من أشكال التضامن المجتمعي والعمل الجماعي الذي يقوم على مساعدة الآخرين وتحمل المسؤولية المشتركة خلال الأزمات والكوارث.
وأجرى الباحثون مقابلات مع 20 من قادة غرف الطوارئ ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات النسائية في ولايات ومناطق مختلفة، شملت دارفور والخرطوم الكبرى والجزيرة وكسلا والقضارف وكردفان وجبال النوبة، بهدف تقييم واقع العمل الإنساني المحلي والتحديات التي تواجهه.
وكشفت نتائج الدراسة أن ثلاثة أرباع المشاركين في المقابلات يعملون بصورة تطوعية كاملة من دون أي رواتب أو مقابل مادي، رغم المخاطر الكبيرة التي يتعرضون لها في مناطق تشهد أعمالاً قتالية ونزاعات مسلحة مستمرة.
ونقلت الدراسة عن إحدى المتطوعات البالغات من العمر 25 عاماً قولها إن نجاح غرف الطوارئ يعود إلى روح التطوع والرغبة في مساعدة الآخرين، مؤكدة أن هذا الدافع هو ما يدفع العاملين إلى مواصلة العمل رغم نقص التمويل والتهديدات الأمنية والعمل داخل مناطق الحرب.
غير أن الباحثين حذروا من أن الاعتماد على الجهود التطوعية وحدها لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، خاصة بعد ثلاث سنوات من الحرب، حيث بدأت علامات الإرهاق والضغط تظهر على العاملين في الخطوط الأمامية.
كما انتقدت الدراسة ما وصفته بقصور النظام الإنساني الدولي في التعامل مع المستجيبين المحليين، مشيرة إلى أن العديد من العاملين في غرف الطوارئ لا يحظون باعتراف رسمي كعاملين إنسانيين داخل المنظومة الدولية، ما يحرمهم من الحماية القانونية التي توفرها اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني للعاملين في المجال الإغاثي.
وأوضحت أن هذا الوضع يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر والانتهاكات من قبل الأطراف المسلحة، رغم أنهم يقومون بمهام إنسانية أساسية لإنقاذ الأرواح وتوفير الاحتياجات الضرورية للسكان.
كما سلطت الدراسة الضوء على ما اعتبرته بيروقراطية معقدة تحكم آليات التمويل الإنساني الدولي، حيث يضطر العاملون المحليون إلى التعامل مع إجراءات إدارية ونماذج ومتطلبات مختلفة للحصول على الدعم، وهو ما يؤدي إلى تأخير وصول الأموال والمساعدات إلى المجتمعات المحتاجة.
ووفقاً لشهادات المشاركين، فإن العديد من الجهات المانحة تركز على إدارة المخاطر والإجراءات التنظيمية أكثر من تركيزها على الأولويات الإنسانية الملحة، الأمر الذي يحد من فعالية الاستجابة ويؤخر تنفيذ البرامج الإغاثية.
وأضافت الدراسة أن السودان يعد أيضاً من أكثر الأزمات الإنسانية معاناة من نقص التمويل على مستوى العالم، مشيرة إلى تراجع عدد المنظمات المحلية التي تحصل على تمويل من الجهات الإنسانية الدولية الكبرى خلال السنوات الأخيرة.
ورأت أن هذا التراجع لا يعود إلى تحسن الأوضاع داخل السودان، بل إلى تحول اهتمام العديد من الحكومات والمنظمات الدولية نحو أزمات وصراعات أخرى، ما انعكس سلباً على حجم المساعدات الموجهة للسودانيين.
ونقلت الدراسة عن أحد العاملين في المجال الإنساني قوله إن اختلاف مستويات الدعم والاهتمام بين الأزمات المختلفة يبعث برسالة مفادها أن "بعض الأرواح أكثر أهمية من غيرها"، رغم أن المبادئ الأساسية للعمل الإنساني تنص على أن المساعدة يجب أن تُقدم بناءً على الحاجة الإنسانية فقط، وليس وفقاً للاعتبارات السياسية أو الجيوسياسية.
ورغم حصول غرف الاستجابة للطوارئ السودانية على جوائز إنسانية دولية بارزة خلال عام 2025 وترشيحها مرتين لنيل جائزة نوبل للسلام، تؤكد الدراسة أن هذه الإنجازات الرمزية لم تتحول إلى حماية فعلية أو تمويل مستدام أو اعتراف رسمي بدور هذه المبادرات داخل النظام الإنساني الدولي.
وفي ختامها، عرضت الدراسة أبرز مطالب العاملين في الخطوط الأمامية، والتي تشمل توفير حماية وتعويضات أفضل للمستجيبين المحليين، وتقديم تمويل مباشر وأكثر مرونة للمنظمات المحلية، والاعتراف بالتكاليف التشغيلية لعملها، فضلاً عن تخصيص موارد لإعادة إعمار السودان وتنميته على المدى الطويل، بدلاً من الاكتفاء بتمويل الاستجابات الطارئة قصيرة الأجل.
وخلص الباحثون إلى أن استمرار تجاهل هذه المطالب سيؤدي إلى إطالة أمد المعاناة الإنسانية في السودان، مؤكدين أن دعم المجتمعات المحلية وتمكينها يمثلان أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة آثار الحرب والتعامل مع واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن.