معهد واشنطن: الاتفاق الأميركي - الإيراني يثير تساؤلات حول أمن الخليج ومستقبل لبنان
أثار الاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة وإيران موجة واسعة من النقاشات السياسية والاستراتيجية، وسط تحذيرات من خبراء ومسؤولين سابقين أميركيين من أن التفاهم المعلن بين الجانبين قد يحمل تداعيات عميقة على أمن الخليج العربي ومستقبل لبنان، فضلاً عن تأثيره على ملف البرنامج النووي الإيراني والتوازنات الإقليمية الأوسع.
وخلال ندوة نظمها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ناقش عدد من الخبراء بنود مذكرة التفاهم الجديدة بين واشنطن وطهران، معتبرين أن الاتفاق يمنح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية مهمة ويؤجل قضايا حساسة، وفي مقدمتها الملف النووي.
ويرى ريتشارد نيفيو، نائب المبعوث الأميركي السابق إلى إيران، أن جوهر الاتفاق يقوم على مقايضة إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية مقابل إنهاء القيود الأميركية المفروضة على الموانئ الإيرانية، إلى جانب تقديم حزمة واسعة من التخفيفات والعوائد الاقتصادية لإيران بهدف تشجيعها على الالتزام بمسار التفاوض.
وأشار نيفيو إلى أن الاتفاق لا يتضمن حلولاً حاسمة بشأن البرنامج النووي الإيراني، بل يكتفي بتجميد الوضع القائم مؤقتاً، بحيث تمتنع إيران عن توسيع برنامجها النووي مقابل امتناع الولايات المتحدة عن تشديد العقوبات. أما القضايا الجوهرية، مثل مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وآليات التحقق والرقابة الدولية، فقد تم تأجيلها إلى مفاوضات لاحقة تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي.
ويعتقد خبراء المعهد أن هذا التأجيل يثير مخاوف كبيرة، خصوصاً أن الاتفاق يمنح طهران فوائد اقتصادية فورية، من بينها تسهيل صادرات النفط وإتاحة الوصول إلى عشرات المليارات من الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة في الخارج. ويرى منتقدو الاتفاق أن هذه الموارد قد تُستخدم في إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية أو دعم حلفاء طهران الإقليميين، بدلاً من توجيهها إلى التنمية الاقتصادية الداخلية.
وفي ما يتعلق بأمن الخليج، حذر السفير الأميركي السابق دينيس روس من أن الاتفاق يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تخص إدارة الملاحة في مضيق هرمز بعد انتهاء الفترة الانتقالية المحددة بستين يوماً. وبحسب قراءته، فإن النص يشير إلى إجراء مباحثات بين إيران وسلطنة عُمان ودول الخليج بشأن إدارة الممر البحري والخدمات المرتبطة به، وهو ما قد يمنح طهران نفوذاً إضافياً على أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
ويعتبر روس أن منح إيران دوراً أكبر في إدارة مضيق هرمز قد يشكل سابقة خطيرة، ليس فقط بالنسبة للخليج، وإنما أيضاً بالنسبة للممرات البحرية الدولية الأخرى، حيث قد تسعى دول مختلفة إلى فرض ترتيبات مشابهة على الممرات الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي.
كما أثار الخبير الأميركي مخاوف تتعلق بمدى التزام الولايات المتحدة بأمن شركائها الخليجيين في المستقبل. فخلال المواجهات الأخيرة مع إيران، برزت الحاجة إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة في المنطقة، في وقت أظهرت التطورات أن الوجود العسكري الأميركي وحده لا يكفي لردع الهجمات التي قد تستهدف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج.
ويرى روس أن دول الخليج قد تخرج من هذه المرحلة بقناعة متزايدة بضرورة تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية وتعزيز مشاريع الربط الاقتصادي والبنية التحتية التي تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز. وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية مشاريع النقل والتجارة الإقليمية، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، باعتباره أحد البدائل المحتملة لتخفيف الاعتماد على الممرات البحرية المهددة بالتوترات الأمنية.
أما على الساحة اللبنانية، فقد ركزت ملاحظات روس على ما وصفه بخطورة ربط بعض بنود الاتفاق بالتطورات في لبنان. ووفقاً لتقديره، فإن إيران تنظر إلى حماية حزب الله باعتبارها أولوية استراتيجية تتقدم على الاعتبارات المتعلقة بالدولة اللبنانية نفسها.
وحذر من أن أي تفاهمات تمنح طهران دوراً في تحديد شروط الاستقرار في لبنان قد تؤدي إلى إضعاف فرص تعزيز سيادة الدولة اللبنانية أو الحد من نفوذ حزب الله. كما اعتبر أن ربط تنفيذ بعض بنود الاتفاق باستمرار وقف إطلاق النار في لبنان قد يمنح إيران وحلفاءها أدوات ضغط إضافية في مواجهة إسرائيل والمجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه، تطرق الخبراء إلى التداعيات السياسية الداخلية للاتفاق داخل إيران. وأوضحت الباحثة هولي داغرس أن الساحة الإيرانية تشهد انقساماً واضحاً بشأن التفاهم الجديد، إذ يرى بعض المحافظين أن الاتفاق ينطوي على تنازلات كبيرة، خاصة في ما يتعلق بمضيق هرمز، بينما يعتبره آخرون انتصاراً سياسياً لطهران بعد أن تمكنت من انتزاع اعتراف أميركي بدورها الإقليمي ونفوذها السياسي.
وأضافت أن جزءاً مهماً من المعارضة الإيرانية ينظر إلى الاتفاق بعين الانتقاد، بسبب غياب أي إشارات واضحة إلى ملف حقوق الإنسان أو أوضاع السجناء السياسيين. وبحسب داغرس، فإن الكثير من الإيرانيين الذين كانوا يأملون في ضغوط دولية أكبر على النظام يشعرون بخيبة أمل من تجاهل هذه الملفات في التفاهم الجديد.
كما شككت الباحثة في قدرة الاتفاق على تحقيق تحسن اقتصادي ملموس للمواطنين الإيرانيين على المدى الطويل، مشيرة إلى أن المشكلات البنيوية المرتبطة بالفساد وسوء الإدارة لا يمكن معالجتها عبر تخفيف العقوبات فقط. وترى أن الجزء الأكبر من المكاسب الاقتصادية المحتملة قد يذهب إلى أولويات النظام السياسية والأمنية، بدلاً من أن ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.
وفي المقابل، رجح المشاركون في الندوة أن تركز القيادة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة على الشؤون الداخلية وإعادة الإعمار بعد الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقدرات الدفاعية خلال الفترة الماضية. كما أشاروا إلى أن طهران تسعى إلى تنشيط العلاقات الاقتصادية مع الصين، التي تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، في محاولة لتعزيز عملية التعافي الاقتصادي.
ورغم ما يوفره الاتفاق من فرصة لخفض التوتر العسكري المباشر بين واشنطن وطهران، فإن خبراء معهد واشنطن يرون أن التفاهم الحالي لا يبدد المخاوف المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني أو دور طهران الإقليمي. كما أنه يترك العديد من الأسئلة مفتوحة بشأن مستقبل الأمن الخليجي، ودور الولايات المتحدة في المنطقة، واحتمالات الاستقرار في لبنان.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الاتفاق الجديد لا يمثل نهاية للأزمات بقدر ما يشكل محطة مؤقتة في مسار تفاوضي معقد، ستتوقف نتائجه النهائية على قدرة الأطراف المعنية على معالجة الملفات المؤجلة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة في الخليج، ومستقبل النفوذ الإيراني في المشرق العربي.