وقف التفاوض مع حماس ضرورة لإعادة تعريف الصراع
بقلم: السفير عبد الكريم عويضة - سفير فلسطين في كوت ديفوار
في لحظة فارقة من تاريخ القضية الفلسطينية، حيث ينشغل العالم بالكثير من القضايا ذات الأولوية، وتتشابك الأزمات الإنسانية والأمنية في غزة وفي الضفة الغربية مع الجمود السياسي للقضية الفلسطينية، تبرز الحاجة الماسة إلى مراجعة جذرية لآليات إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. لقد آن الأوان لمختلف الأطراف لاتخاذ قرار حاسم بوقف كافة أشكال التفاوض والتواصل المنفرد مع حركة حماس، وحصر التمثيل الفلسطيني في العملية السياسية والتفاوضية بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. هذا التحول ليس مجرد إجراء تكتيكي عابر أو رد فعل على تطورات ميدانية طارئة، بل هو خطوة تأسيسية من شأنها إعادة تعريف المشهد السياسي برمته، وتحصين الموقف الفلسطيني من الاختراق الإسرائيلي، وفتح آفاق جديدة للتعاطي مع مختلف الملفات الوطنية العالقة خارج الإطار الضيق لقطاع غزة وحده، والأزمة الإنسانية التي تهدد بتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية بحتة.
فمن ناحية الإطار القانوني والدستوري للتمثيل الوطني، تظل منظمة التحرير الفلسطينية هي الأساس، فقد تأسست عام 1964، وهي الكيان الجامع للفلسطينيين. وقد حظيت باعتراف عربي شامل تجسد في قمم جامعة الدول العربية، أبرزها قمة الرباط عام 1974 التي نصّت على أن "منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني". هذا الاعتراف العربي انتقل إلى الساحة الدولية بقوة عندما منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة المنظمة صفة مراقب بموجب القرار 3237، وأكدت حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في قرارات متعاقبة. بل إن ذروة هذا الاعتراف تجسدت في التبادل الرسمي للرسائل بين المنظمة وحكومة إسرائيل في إطار اتفاقيات أوسلو، والتي أدت في النهاية لحصول دولة فلسطين على صفة دولة غير عضو مراقب في الأمم المتحدة. هذه الشرعية الدولية والدستورية تجعل منظمة التحرير الجهة الوحيدة المخولة قانوناً وسياسياً بإدارة العملية التفاوضية وتوقيع الاتفاقيات باسم الشعب الفلسطيني.
في المقابل، تظل حركة حماس فصيلاً سياسياً وعسكرياً يسيطر على جزء محدد من الجغرافيا الفلسطينية في قطاع غزة بقوة الأمر الواقع منذ عام 2007، دون تفويض انتخابي وطني متجدد أو إجماع فلسطيني على برنامجها السياسي. ورغم وزنها في المعادلة المحلية، إلا أن طبيعة تكوينها كحركة أيديولوجية لا ترقى إلى مستوى "الممثل الوطني الشامل" للفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم وعلى مختلف مشاربهم الفكرية. وعليه، فإن استمرار فتح قنوات تفاوضية منفصلة مع قيادة حماس في غزة أو خارجها، سواء عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، لا يكرس الانقسام الداخلي فحسب، بل يمنح الحركة غطاءً سياسياً وشرعيةً تمثيلية لا تستحقها على المستوى الوطني الجامع، لا سيما في ظل تداعيات الأحداث الكارثية التي شهدها السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب إبادة لم يشهدها القطاع من قبل.
ومن أبرز تداعيات استمرار قنوات التفاوض مع حماس هو منح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ذريعة استراتيجية جاهزة للتنصل من أي استحقاقات سياسية مع القيادة الشرعية في رام الله. إسرائيل تستثمر الانقسام الفلسطيني كأداة وظيفية لتكريس روايتها القائلة بأنه "لا يوجد شريك فلسطيني واحد قادر على الإلزام والوفاء بالالتزامات". فالاتفاق مع السلطة في الضفة الغربية لا ينعكس على غزة، والعكس صحيح، مما يخلق فراغاً سياسياً تملؤه إسرائيل بمزيد من الاستيطان والضم الزاحف. هذه المعادلة تمنح الحكومة الإسرائيلية غطاءً مثالياً للتهرب من أي مفاوضات جادة حول حل الدولتين، إذ تبرر إجراءاتها الأحادية بأنها ضرورة أمنية في ظل غياب شريك موحد.
وعندما ينخرط الوسطاء في مفاوضات غير مباشرة مع حماس حول صفقات تبادل الأسرى أو التهدئة أو إدخال المساعدات، فإنهم بذلك يضفون شرعية ضمنية على نموذج "الدويلة" في غزة. هذا الأمر يسمح لإسرائيل بتجزئة الصراع فلسطينياً إلى ملفات معزولة: "ملف غزة" الذي يتعلق بإدارة الأزمات الإنسانية والأمنية وضبط الحدود مع مصر، و"ملف الضفة" الذي يتعلق بالتعامل مع قوة الاحتلال بشكل مستمر لإدارة حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال في المناطق (أ) و(ب) و(ج). في خضم هذه التجزئة الاستراتيجية، تختفي تماماً القضايا الجوهرية للقضية الوطنية؛ فلا حديث بالمطلق عن مستقبل القدس الشرقية، ولا عن حق العودة للاجئين وفق القرار 194، ولا عن ترسيم الحدود النهائية للدولة الفلسطينية وكل الملفات التي اصطلح على تسميتها بـ"ملفات الحل النهائي". هذه الاستراتيجية في "إدارة الصراع بدلاً من حله" تخدم حصراً المشروع الإسرائيلي الرامي إلى تحويل القضية الفلسطينية من مشروع تحرر وطني شامل إلى مجرد أزمة إنسانية محلية يمكن احتواؤها بالمساعدات والتصاريح المؤقتة.
وعليه فإن وقف التفاوض مع حماس وحصره بمنظمة التحرير الفلسطينية يمثل نقلة نوعية في تعريف الصراع ذاته. بدلاً من أن يظل العالم مشغولاً بتفاصيل "كم شاحنة مساعدات تدخل غزة اليوم؟" أو "متى موعد الجولة القادمة من مفاوضات الهدنة؟"، "وهل وافقت حماس على موضوع تسليم السلاح وتسليم السلطة؟"، تعود القضية الفلسطينية إلى إطارها الوطني الشامل الذي يضع الملفات السيادية على الطاولة بقوة. هذا التحول سيجبر القوى الدولية الفاعلة، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، على العودة للتعامل مع ممثل فلسطيني واحد معترف به دولياً ومقره الدائم في الأمم المتحدة. وهذا بدوره سيعيد إحياء الأدوات القانونية والدبلوماسية التي تمتلكها فلسطين في مواجهة الاحتلال، وعلى رأسها الملفات المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية ومذكرة الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذه الأوراق القانونية الثقيلة لا يمكن تحريكها بفعالية إلا في ظل وجود جسم سياسي موحد يحظى بالإجماع الوطني والاعتراف الدولي، بعيداً عن التشرذم الذي يغذيه استمرار التفاوض مع كيانات غير رسمية.
ولا يعني حصر التفاوض بمنظمة التحرير إهمال قطاع غزة أو التخلي عنه، بل على النقيض تماماً. التعامل مع غزة يجب أن يُدمج عضوياً ضمن الملف الوطني الشامل. أي تفاهمات حول إعادة الإعمار أو إدارة المعابر أو تبادل الأسرى يجب أن تمر حصراً عبر القنوات الشرعية لمنظمة التحرير، على أن يضمن ربط أي تقدم ميداني في غزة بتقدم موازٍ في ملفات الضفة الغربية والقدس. على سبيل المثال، لا يمكن الحديث عن تهدئة في غزة دون وقف الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة، ولا يمكن إعادة إعمار القطاع بمعزل عن فك الحصار بشكل كامل وعودة السلطة الوطنية الفلسطينية للقيام بواجباتها السيادية هناك. هذا النهج الشمولي سيساهم في رأب الصدع الوطني، وسيجعل من قضية اللاجئين في الشتات والقدس قضايا حاضرة في قلب أي محادثات مستقبلية، وليست مجرد بنود هامشية مؤجلة إلى أبد الآبدين.
كذلك، لا يمكن الحديث عن حصر التفاوض بالمنظمة دون التطرق إلى ضرورة استكمال المصالحة الوطنية ولكن على أسس جديدة. إن تعزيز مكانة منظمة التحرير يتطلب إصلاحاً حقيقياً لهياكلها لتستوعب كافة الأطياف السياسية، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي، ولكن ليس ككيانات مستقلة لها حق التفاوض المنفرد، بل كفصائل منضوية تحت سقف الميثاق الوطني الفلسطيني الملتزم بقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين. المصالحة الحقيقية تعني اندماج حماس الكامل في مؤسسات منظمة التحرير واعترافها بمرجعيتها السياسية والقانونية، لا أن تبقى جيباً منفصلاً يدير مصير مليوني فلسطيني في غزة خارج الإجماع الوطني. إن وقف الاتصالات الدولية والإقليمية المنفردة مع حماس بشكل كامل ونهائي سيشكل ضغطاً لا مهرب منه لدفع الحركة نحو الانخراط في الإطار الوطني الجامع.
ختاماً أقول: إن قرار وقف التفاوض مع حماس وحصر التمثيل الفلسطيني بمنظمة التحرير ليس ترفاً سياسياً أو خياراً عابراً، بل هو ضرورة استراتيجية ملحة لاستعادة زمام المبادرة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته. هذا القرار من شأنه إعادة تعريف الصراع كقضية تحرر وطني شاملة لا مجرد أزمة إنسانية عابرة، وتعزيز الشرعية الفلسطينية في المحافل الدولية، وحرمان إسرائيل من ذريعة الانقسام للتهرب من استحقاقات السلام، وتمهيد الطريق لمصالحة وطنية حقيقية على برنامج سياسي واضح. الفلسطينيون اليوم بأمس الحاجة إلى استعادة وحدتهم التمثيلية كسلاح رديف في معركة التحرير، وإن حصر التفاوض بمنظمة التحرير هو خط الدفاع الأول في هذا الطريق الطويل نحو نيل الحقوق المشروعة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ويبقى أن نسأل: إنه في الوقت الذي يدعم فيه الكل الدولة اللبنانية لتكون هي الطرف المفاوض والشرعي في لبنان في مواجهة استقواء حزب الله على الدولة ومحاولة تقزيم دورها، يحدث العكس في غزة، حيث يتم تجاهل الدولة ممثلة بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، والقفز على شرعيتها والتفاوض مع فصيل أخذ القطاع وسكانه رهينة لمصالحه، وبرعاية عربية! لماذا؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.