"استهداف جذور التطرف".. كيف أصبح الإخوان في قلب استراتيجية أميركا لمكافحة الإرهاب؟
قال العميد الركن المتقاعد والباحث الأردني الدكتور سعود الشرفات، مؤسس ومدير مركز الشرفات للدراسات والعولمة والإرهاب، إن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تمثل تحولاً جوهرياً في الفكر الأمني الأميركي، يتجاوز التركيز التقليدي على مواجهة التنظيمات المسلحة، نحو ما يعتبره “استهدافاً لجذور التطرف” الفكرية والتنظيمية التي أنتجت تلك التنظيمات عبر العقود الماضية.
وبحسب الشرفات، فإن أهمية هذه الاستراتيجية لا تكمن فقط في توسيع أدوات الردع أو تعزيز العمل العسكري والاستخباراتي، بل في إعادة تعريف مفهوم الإرهاب نفسه داخل الخطاب الأمني الأميركي، بحيث لم يعد مقتصراً على الأفعال العنيفة التي تنفذها جماعات مثل القاعدة وداعش، بل بات يُنظر إليه باعتباره منظومة متكاملة تشمل الفكر والتنظيم والتمويل والشبكات العابرة للحدود.
الإرهاب كمنظومة متكاملة
ويشير الشرفات إلى أن المقاربة الجديدة تنطلق من فرضية أن التنظيمات الإرهابية لا تنشأ في فراغ، بل تتشكل داخل بيئات فكرية وتنظيمية معقدة، الأمر الذي يدفع صناع القرار في واشنطن، وفق قراءته، إلى إعادة النظر في المقاربات السابقة التي ركزت لعقود على البعد العسكري والأمني فقط.
ويضيف أن هذا التحول يعكس قناعة متنامية لدى دوائر أميركية بأن القضاء على التنظيمات المسلحة لا يحقق نتائج مستدامة ما لم يتم التعامل مع “البنية التحتية الفكرية” التي يرى أنها تغذي التطرف وتسمح بإعادة إنتاجه بأشكال مختلفة.
الإخوان في قلب الجدل
ويؤكد الشرفات أن أبرز ما يميز الاستراتيجية الجديدة هو ما يعتبره ربطاً واضحاً بين جماعة الإخوان ونشوء وتطور عدد من الحركات والتنظيمات المتشددة في المنطقة.
ويقول إن الوثيقة، وفق قراءته، تتجاوز التصنيف التقليدي الذي كان سائداً في الغرب لعقود، والذي ميّز بين الإسلام السياسي من جهة والتنظيمات الإرهابية المسلحة من جهة أخرى، لتطرح رؤية أكثر شمولاً تعتبر أن هناك تقاطعات فكرية وتنظيمية بين هذه التيارات.
ويرى أن هذا التحول يمثل نقلة نوعية في الخطاب الأميركي الرسمي، لأنه يفتح الباب أمام إعادة تقييم العلاقة بين واشنطن وعدد من الفاعلين السياسيين المرتبطين بالإسلام السياسي في الشرق الأوسط.
مراجعة للمفاهيم التقليدية
ويشير الشرفات إلى أن السياسة الأميركية السابقة كانت تقوم على فصل واضح بين الحركات السياسية الإسلامية التي تعمل ضمن الأطر السلمية، وبين التنظيمات التي تعتمد العنف المسلح، غير أن الاستراتيجية الجديدة، بحسب تحليله، تعيد طرح هذا الفصل للنقاش.
ويضيف أن هذا التغيير لا يعني بالضرورة تبني موقف نهائي أو تصنيف قانوني شامل، لكنه يعكس تحولاً في طريقة التفكير داخل بعض المؤسسات الأمنية والاستراتيجية الأميركية تجاه ظاهرة التطرف الإسلامي.
تداعيات محتملة على السياسات الدولية
وبحسب الشرفات، فإن هذا التحول الفكري قد تكون له انعكاسات واسعة على السياسات الأميركية في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بالعقوبات، والتعاون الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى إعادة صياغة العلاقات مع أطراف سياسية متعددة في الشرق الأوسط.
ويعتقد أن هذا التوجه قد يدفع بعض الدول إلى مراجعة سياساتها الداخلية والخارجية تجاه جماعات الإسلام السياسي، في ظل احتمالية توسع تأثير المقاربة الأميركية الجديدة على مستوى الحلفاء والشركاء الدوليين.
في المقابل، يشير إلى أن هذا الطرح سيظل محل جدل واسع بين الباحثين وصناع القرار، حيث يرى معارضوه أن الربط بين جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية يحتاج إلى مقاربات علمية أكثر دقة، تفصل بين العمل السياسي والفكر الأيديولوجي من جهة، والعنف المسلح من جهة أخرى.
نقطة تحول في العقيدة الأمنية
ويخلص الشرفات إلى أن استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، تمثل – في حال استمرار تبنيها – نقطة تحول محتملة في العقيدة الأمنية الأميركية، لأنها تنقل التركيز من “إدارة التهديدات القائمة” إلى “تفكيك مصادرها الجذرية” كما يصفها.
ويرى أن هذا التحول، إذا استمر وتوسع، قد يعيد تشكيل النقاش الدولي حول مفهوم الإرهاب نفسه، وحدود العلاقة بين الإسلام السياسي والعنف، وقد يفتح مرحلة جديدة في سياسات مكافحة التطرف على المستويين الإقليمي والدولي، تتجاوز المقاربات التقليدية التي سادت منذ أحداث 11 سبتمبر.