تقرير أميركي: الحوثيون يهربون من أزماتهم الداخلية بالتصعيد الخارجي

تواجه جماعة الحوثيين في اليمن ضغوطًا متزايدة على أكثر من جبهة، في وقت تتزامن فيه أزمات داخلية مرتبطة بالاقتصاد والعلاقة مع القبائل مع تصعيد عسكري خارجي يستهدف السعودية ومناطق خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية. ويرى تقرير أميركي أن هذا التصعيد لا يمكن تفسيره باعتباره محاولة بسيطة لصرف الأنظار عن أزمات الداخل، بل يعكس استراتيجية حوثية لاحتواء الضغوط الداخلية وتحسين موقع الجماعة في مواجهة خصومها.

وأشار موقع "ذا سايفر بريف" الأميركي، في تحليل، إلى أن الأزمات الداخلية والخارجية للحوثيين أصبحت مترابطة بصورة يصعب معها الفصل بينهما، خصوصًا في ظل النظرة الأيديولوجية للجماعة التي تقسم الأطراف إلى معسكرين: مؤيد لمشروعها من جهة، وخصوم يُنظر إليهم باعتبارهم جزءًا من مؤامرة خارجية من جهة أخرى.

أزمة داخلية تتسع

بحسب التقرير، تواجه الجماعة في الوقت الراهن أزمة متزايدة في علاقتها بالقبائل، إلى جانب تدهور اقتصادي يحد من قدرتها على شراء الولاءات واحتواء المعارضين.

ويبرز في هذا السياق التحرك القبلي في محافظة الجوف، حيث احتشدت قبيلة دهم في مواجهة الحوثيين، في تطور يرى التقرير أنه يحمل قدرة خاصة على زعزعة استقرار الجماعة، بالنظر إلى اتساع نطاق التحرك وعدد المشاركين فيه، فضلًا عن وجود مؤشرات على انضمام أفراد من مناطق تقع تحت سيطرة الحوثيين.

ويربط التقرير جانبًا من هذه الأزمة بقضية امرأة تزعم أنها ابنة سرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وتقول إن أصولًا تعود إليها صودرت خلال الفوضى التي رافقت الحرب الأهلية اليمنية. ورغم عدم وضوح صحة هذه الادعاءات، فإن وسائل الإعلام الحوثية قدمت التحركات القبلية الداعمة لها باعتبارها مرتبطة بالسعودية، في إطار الرواية التي تتبناها الجماعة بشأن وجود مؤامرة خارجية تستهدفها.

ويشير التقرير إلى أن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في القضية نفسها، وإنما في قدرة مثل هذه الملفات على استنهاض الولاءات القبلية في مجتمع لم تتمكن الجماعة من إخضاع بنيته القبلية بالكامل لسلطة مركزية موالية لها.

اقتصاد يضيّق الخناق

تأتي الضغوط القبلية في وقت يواصل فيه الاقتصاد الخاضع لسيطرة الحوثيين التراجع، وفق التحليل، بينما تقترب الجماعة من حدود قدرتها على تمويل نفسها عبر الاستيلاء على المؤسسات الحكومية والقطاعات الاقتصادية المحلية.

ويرى هايشتاين أن مزيجًا من سوء الإدارة الاقتصادية، وما وصفه بالفساد، والعقوبات المفروضة على الجماعة، يجعل تحقيق تحسن اقتصادي سريع أمرًا مستبعدًا. والأكثر خطورة بالنسبة للحوثيين أن جزءًا من استقرارهم الداخلي يعتمد على القدرة على شراء الهدوء والولاءات، وهي قدرة تتراجع كلما تقلصت الموارد المتاحة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المجتمع اليمني، حيث لا تزال الروابط القبلية عنصرًا مؤثرًا في تحديد الولاءات والتحالفات. ومع تراجع قدرة الحوثيين على تقديم الموارد والحوافز، يمكن لهذه الروابط أن تتحول من أداة للتهدئة إلى وسيلة لتنظيم المعارضة.

لماذا التصعيد الخارجي الآن؟

رغم أن تزامن الأزمات الداخلية مع التصعيد العسكري قد يوحي بأن الحوثيين يحاولون تحويل الأنظار بعيدًا عن مشاكلهم، فإن التقرير يقدم تفسيرًا أكثر تعقيدًا، معتبرًا أن الجماعة ترى في التصعيد وسيلة لمعالجة بعض أزماتها، وليس مجرد وسيلة للهروب منها.

ويحدد التحليل ثلاثة دوافع رئيسية للتصعيد الحوثي، أولها "الردع"، ففي ظل الضغوط الداخلية، تخشى الجماعة أن يفسر خصومها أزمتها على أنها علامة ضعف أو تراجع في قدرتها على خوض المواجهة. ولذلك، فإن شن هجمات جديدة يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن الجماعة لا تزال مستعدة للتصعيد، وأن مشاكلها الداخلية لم تؤثر في قدرتها على مواجهة خصومها.

ويكتسب هذا العامل أهمية بعد ما اعتبره التقرير نوعًا من ضبط النفس الحوثي خلال أكثر مراحل الحرب بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة حدة، عندما لم تنخرط الجماعة بصورة مماثلة لبقية الأطراف المرتبطة بما يعرف بـ"محور المقاومة"، وبالعودة إلى التصعيد، يمكن للحوثيين إعادة ترسيخ صورتهم كقوة مستعدة للمواجهة والمخاطرة.

السعودية بوابة للضغط الاقتصادي

أما الدافع الثاني فيتمثل في "الحسابات الاقتصادية"، ويشير التقرير إلى أن استهداف السعودية قد يمنح الحوثيين فرصة لتحقيق مكاسب مالية مباشرة أو غير مباشرة.

فإذا أدى التصعيد إلى التوصل إلى تفاهم مع الرياض، فقد تحصل الجماعة على موارد مالية تحتاج إليها لمواصلة تمويل مؤسساتها العسكرية وشراء الهدوء في مناطق سيطرتها.

أما في حال عدم التوصل إلى اتفاق، فإن رفع تكلفة دعم السعودية للقوى المناهضة للحوثيين يمكن أن يخدم الجماعة بطريقة أخرى. فإضعاف قدرة الرياض على تمويل الحكومة اليمنية والقوى المتحالفة معها قد يمنح الحوثيين أفضلية نسبية، خصوصًا أنهم يسيطرون على أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي في المناطق الخاضعة لهم.

وبذلك، لا يشترط أن تحقق الجماعة مكاسب مالية مباشرة من التصعيد حتى تستفيد منه؛ يكفي أن تجعل دعم خصومها أكثر تكلفة.

باب المندب فرصة إضافية

أما العامل الثالث فهو "الفرصة التكتيكية" التي أتاحتها التطورات الإقليمية، ويشير التقرير إلى أن إغلاق مضيق هرمز في أعقاب الحرب مع إيران زاد من أهمية طرق الشحن البديلة عبر البحر الأحمر وباب المندب، ما يمنح الحوثيين ورقة ضغط إضافية على السعودية وعلى حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

لكن الجماعة، وفق التحليل، تتحرك بحذر لتجنب تجاوز مستوى معين من التصعيد يمكن أن يؤدي إلى تشكيل تحالف واسع ضدها. كما أن حساباتها تتأثر برغبتها في عدم إغضاب أطراف أكثر تحفظًا في الإقليم وخارجه، ومن بينها الصين، التي ترتبط مصالحها بحركة التجارة والطاقة.

وهكذا يحاول الحوثيون، بحسب التقرير، تحقيق أقصى قدر ممكن من الضغط بأقل قدر ممكن من رد الفعل المضاد.

مكاسب تكتيكية وأزمة استراتيجية

ويخلص تحليل "ذا سايفر بريف" إلى أن الحوثيين أظهروا قدرة على اختيار أهداف تحقق لهم مكاسب سياسية واقتصادية وإعلامية، مع محاولة إبقاء تكلفة الرد عليهم ضمن حدود يمكن تحملها.

ويمنحهم ذلك قدرة على الانتقال من هدف إلى آخر واستغلال الظروف الإقليمية المتغيرة، سواء عبر استهداف السعودية أو الضغط على الحكومة اليمنية أو استخدام الموقع الجغرافي لليمن كورقة في صراعات أوسع.

لكن هذه المرونة التكتيكية لا تعني، بحسب التقرير، وجود استراتيجية طويلة المدى قادرة على معالجة المشكلات الأساسية التي تواجه الجماعة.

فبينما تركز القيادة الحوثية على فرص قصيرة المدى، وتتبنى في الوقت نفسه رؤية أيديولوجية بعيدة المدى، تظل هناك فجوة استراتيجية في التعامل مع الاقتصاد والقبائل وإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ومن هنا، يرى التقرير أن التصعيد الخارجي قد يوفر للحوثيين متنفسًا مؤقتًا، لكنه لا يحل أزمتهم الداخلية. بل إن استمرار الاعتماد على التصعيد كوسيلة للردع والحصول على الموارد وإضعاف الخصوم قد يؤدي في النهاية إلى تعميق المشكلات البنيوية التي تواجه الجماعة.

وبذلك، فإن ما يبدو ظاهريًا محاولة للحوثيين "للهروب" من أزمات الداخل عبر التصعيد الخارجي، قد يكون في الواقع محاولة لشراء الوقت وإعادة ترتيب موازين القوى. غير أن نجاح هذا التكتيك يظل مرتبطًا بقدرة الجماعة على منع الضغوط الاقتصادية والقبلية من التحول إلى أزمة داخلية واسعة، وهو تحدٍ قد يصبح أكثر صعوبة مع استمرار تراجع الموارد واتساع دائرة الخصوم.

Next
Next

سهول مرجعيون.. محاصيل تنتظر أصحابها لحصادها