"وول ستريت جورنال": خبرة الإمارات في إدارة الأزمات تدعم تعافيها الاقتصادي
رغم التحديات التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة على حركة التجارة والاستثمار والسياحة، تؤكد الإمارات مجددًا قدرتها على التعامل مع الأزمات الاقتصادية وتحويلها إلى فرص لإعادة التموضع وتعزيز النمو، مستندة إلى بنية اقتصادية قوية وخبرة متراكمة في تجاوز الصدمات.
وفي هذا السياق، رأت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الدولة تمتلك مقومات مالية ولوجستية ومؤسسية تؤهلها لاستعادة زخمها الاقتصادي، رغم استمرار بعض التداعيات التي ألقت بظلالها على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها دبي، التي تعد أحد أبرز المراكز المالية والتجارية في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن دبي، التي تعتمد بصورة كبيرة على حركة التجارة الدولية والسياحة والاستثمارات الأجنبية، واجهت خلال فترة الحرب تحديات استثنائية أثرت على نشاط ميناء جبل علي، أحد أكبر الموانئ في الشرق الأوسط، كما انعكست على معدلات إشغال الفنادق وسوق العقارات وحركة المستثمرين. إلا أن تلك التطورات لم تُغير من القناعة السائدة لدى الأوساط الاقتصادية بأن الإمارة تمتلك القدرة على استعادة نشاطها تدريجيًا، مدعومة بالإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها الإمارات.
وأوضح التقرير أن أحد أبرز عناصر القوة التي تستند إليها الإمارات يتمثل في متانة وضعها المالي، إذ تمتلك صناديق ثروة سيادية تدير أصولًا تتجاوز قيمتها 1.8 تريليون دولار، وهو ما يمنح الحكومة مرونة كبيرة في دعم الاقتصاد المحلي، وضخ السيولة عند الحاجة، وتمويل المشروعات الاستراتيجية، دون الاعتماد على الاقتراض الخارجي. وتوفر هذه القدرات المالية مظلة حماية للاقتصاد الوطني في مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية، كما تعزز ثقة المستثمرين في استقرار بيئة الأعمال.
ولفتت الصحيفة إلى أن السلطات الإماراتية سارعت إلى اتخاذ خطوات عملية للتخفيف من آثار الأزمة، من بينها الإعلان عن مشاريع جديدة، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، والعمل على توسيع الطاقة الاستيعابية للموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز، مثل مينائي خورفكان والفجيرة، بما يسهم في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتقليل تأثر حركة التجارة بأي تطورات جيوسياسية مستقبلية.
وأكد التقرير أن هذه التحركات تعكس نهجًا استباقيًا تتبناه الإمارات في إدارة الأزمات، يقوم على التخطيط طويل المدى وعدم الاكتفاء بمعالجة التداعيات الآنية، بل العمل على تعزيز جاهزية الاقتصاد لمواجهة أي تحديات مستقبلية. كما أشار إلى أن ميناء جبل علي يستعد تدريجيًا لاستعادة مستويات التشغيل الطبيعية مع تحسن حركة الملاحة، في حين تواصل الجهات المختصة تنفيذ خططها لضمان استمرار انسيابية حركة البضائع والخدمات اللوجستية.
ورغم تسجيل بعض القطاعات تباطؤًا خلال فترة الحرب، فإن المؤشرات الأولية توحي ببدء عودة النشاط تدريجيًا. فقد استأنف العديد من السكان والمستثمرين الذين غادروا خلال الأزمة أعمالهم داخل الدولة، فيما واصلت شركات عديدة تنفيذ مشاريعها دون إلغائها، الأمر الذي يعكس استمرار الثقة في الاقتصاد الإماراتي وآفاقه المستقبلية. كما بدأت الحركة التجارية في المراكز والأسواق الكبرى تستعيد جزءًا من نشاطها، وسط توقعات بتحسن أكبر مع استقرار الأوضاع الإقليمية.
ورأى التقرير أن ما يعزز هذه الثقة هو السجل الطويل للإمارات في تجاوز الأزمات الاقتصادية. فقد تمكنت الدولة من التعافي من تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما استفادت من التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار. كذلك سجلت الإمارات واحدة من أسرع عمليات التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، مستفيدة من سرعة اتخاذ القرار، وتنوع اقتصادها، وكفاءة بنيتها التحتية.
وأضافت الصحيفة أن هذه التجارب عززت قناعة المستثمرين بأن الإمارات تمتلك مؤسسات قادرة على التعامل مع المتغيرات بكفاءة، وأن اقتصادها لا يعتمد على قطاع واحد، بل يرتكز على منظومة متكاملة تشمل التجارة والخدمات المالية والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، لم يغفل التقرير الإشارة إلى استمرار بعض التحديات، مثل تباطؤ النشاط العقاري وانخفاض معدلات إشغال الفنادق وتراجع حركة الشحن مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. إلا أنه أكد أن هذه التحديات تبدو مؤقتة، في ظل استمرار الحكومة في تنفيذ برامجها الاقتصادية، واستعداد القطاع الخاص لاستعادة وتيرة نشاطه، إلى جانب الثقة التي لا تزال تتمتع بها الإمارات لدى المستثمرين والشركات العالمية.
وخلصت "وول ستريت جورنال" إلى أن الإمارات تدخل مرحلة التعافي وهي أكثر استعدادًا لمواجهة تداعيات الأزمة، بفضل قوة اقتصادها، ومرونة مؤسساتها، وسرعة استجابتها للمتغيرات. وبينما تواصل الدولة الاستثمار في تطوير بنيتها التحتية وتعزيز تنافسيتها العالمية، تبدو خبرتها في إدارة الأزمات أحد أهم العوامل التي تدعم قدرتها على استعادة النمو وترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز المراكز الاقتصادية والمالية في المنطقة والعالم.