برعاية أميركية.. فرصة نادرة لتحقيق السلام بين لبنان وإسرائيل
ينتظر العالم تفاصيل المحادثة "الاستثنائية" بين "الزعيمين" الإسرائيلي واللبناني اليوم الخميس، والتي كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق عن إجرائها، حيث يمكن أن تكون البوابة نحو اتفاق سلام آخر في منطقة الشرق الأوسط.
وقالت وزير الابتكار والعلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية جيلا غمليئيل إن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو سيتحدث مع الرئيس اللبناني جوزاف عون "للمرة الأولى مع رئيس لبنان بعد سنوات طويلة من الانقطاع الكامل للمباحثات بين البلدين"، معربة عن أملها في "أن تؤدي هذه الخطوة في نهاية المطاف إلى الازدهار والتقدم للبنان كدولة".
وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد تصعيد عسكري واسع بين إسرائيل وحزب الله خلال الأشهر الماضية، وما تبعه من ضربات إسرائيلية مركزة داخل بيروت ومناطق لبنانية أخرى، استهدفت بنية الحزب العسكرية وقياداته، وأعادت خلط الأوراق السياسية والأمنية في لبنان. وبينما لا يزال المشهد الميداني مفتوحًا على احتمالات التصعيد، تبرز هذه القناة الدبلوماسية الجديدة بوصفها محاولة لانتزاع مسار تفاوضي من قلب الحرب.
وقال معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إن المعطيات تشير إلى أن هذا التحرك لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تراكمات اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أواخر عام 2024 برعاية أميركية، والذي نجح في خفض وتيرة القتال جزئيًا لكنه فشل في معالجة جوهر المشكلة المتمثل في ملف سلاح حزب الله. فالاتفاق، رغم ما تضمنه من آليات رقابة ومتابعة، لم يضع جدولًا زمنيًا واضحًا لنزع السلاح، كما لم ينجح في إلزام الجيش اللبناني بخوض مواجهة مباشرة مع الحزب، ما جعل التنفيذ عمليًا محدود الفعالية.
ومع عودة المواجهات، ظهر بوضوح أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة وبشبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، الأمر الذي جعل الحكومة اللبنانية الجديدة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على الاستقرار الداخلي من جهة، ومحاولة الالتزام بتعهدات دولية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة من جهة أخرى. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن استمرار وجود البنية العسكرية للحزب على حدودها الشمالية يشكل تهديدًا مباشرًا لا يمكن القبول به دون تغيير جذري في الواقع الأمني.
في هذا السياق، تبدو المحادثات المرتقبة محاولة لإيجاد صيغة وسط بين مطالب متناقضة. فلبنان يسعى إلى وقف شامل لإطلاق النار يخفف من الضغط الإنساني الكبير الناتج عن موجات النزوح وتضرر البنية التحتية، بينما ترفض إسرائيل العودة إلى اتفاقات تقليدية لا تتضمن تقدمًا ملموسًا في ملف نزع سلاح حزب الله. ومن هنا، يجري الحديث عن مقاربة جديدة تقوم على "تهدئة مشروطة" أو "تقييد مؤقت للعمليات العسكرية" بدلًا من وقف شامل ودائم لإطلاق النار.
هذه المقاربة، وفق التصورات المطروحة، قد تشمل تحديد مناطق جغرافية يتم فيها تقليص النشاط العسكري الإسرائيلي مؤقتًا، مقابل التزام لبناني متدرج بفرض سيطرة الدولة على بعض المناطق، خاصة في بيروت والمناطق الداخلية، على أن يتم لاحقًا الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا في الجنوب. كما يُطرح خيار تحديد فترة زمنية قصيرة لهذا الترتيب، بما يفرض ضغطًا على جميع الأطراف لإثبات جدية التنفيذ.
إحدى النقاط الحساسة في هذا المسار تتمثل في دور الجيش اللبناني، الذي يُنظر إليه كجهة تنفيذية أساسية لأي خطة مستقبلية لنزع سلاح حزب الله. غير أن التجربة السابقة أظهرت محدودية قدرة الجيش على الدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب، سواء لأسباب تتعلق بالتوازنات الداخلية أو خشية من تفجير الوضع الداخلي. ولذلك، يجري الحديث عن تعزيز دور آلية رقابة دولية بقيادة الولايات المتحدة، تتولى متابعة عمليات جمع السلاح وتبادل المعلومات بين الجانبين.
إلى جانب البعد الأمني، تحمل هذه المحادثات أبعادًا سياسية أوسع. فنجاحها قد يفتح الباب أمام مسار تدريجي نحو تطبيع أو حتى اتفاق سلام مستقبلي بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر لم يكن مطروحًا بجدية في العقود الماضية. لكن هذا السيناريو لا يزال محفوفًا بالتحديات، في ظل الانقسام الداخلي اللبناني، والتوتر الشعبي، إضافة إلى الحسابات الإقليمية المرتبطة بالدور الإيراني في لبنان عبر حزب الله.
من الجانب الأميركي، يُنظر إلى هذه اللحظة باعتبارها اختبارًا حاسمًا لقدرة واشنطن على تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي في الميدان إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد. وتلعب الإدارة الأميركية دور الوسيط الضامن، عبر تقديم حوافز اقتصادية ودعم مالي للجيش اللبناني، مقابل التزامه بخطوات أكثر فاعلية في ملف السلاح، إلى جانب الضغط على أطراف لبنانية نافذة للحد من قدرة حزب الله وحلفائه على تعطيل العملية السياسية.
ورغم كل هذه المؤشرات، يبقى نجاح المحادثات غير مضمون، إذ لا تزال الفجوة بين الطرفين كبيرة، سواء على مستوى تعريف وقف إطلاق النار أو مستقبل الوجود العسكري لحزب الله. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هذا اللقاء في ظل الظروف الحالية يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ويفتح نافذة دبلوماسية نادرة قد تُستثمر إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي.
في المحصلة، تقف المنطقة أمام لحظة مفصلية قد تحدد شكل التوازنات في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة، بين استمرار منطق المواجهة العسكرية أو الانتقال التدريجي إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقرارًا، برعاية أميركية مباشرة وضمانات دولية غير مسبوقة.