هل تطال حملة مكافحة الفساد في العراق وكلاء إيران؟
أثارت حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة العراقية الجديدة تساؤلات واسعة بشأن أهدافها الحقيقية، وما إذا كانت تمثل خطوة جادة لإصلاح مؤسسات الدولة أم أنها جزء من صراع سياسي يستهدف إعادة توزيع النفوذ داخل النظام العراقي، خصوصًا في ظل ارتباط عدد من القوى المؤثرة في البلاد بإيران.
وأشار الباحث بموقع "كاليبر"، ميخائيل شيريشيفسكي، في مقال تحليلي، إلى حديث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في 29 يونيو الماضي عن أن الاعتقالات الأخيرة ليست سوى المرحلة الأولى من حملة أوسع تهدف إلى القضاء على الفساد واستعادة أموال الدولة، مشددًا على أن حكومته "لن تتهاون" في هذا الملف.
وجاءت تصريحات الزيدي بعد يوم واحد من توقيف 47 شخصًا في إطار تحقيقات مرتبطة بالفساد، بينهم مستشار لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وأعضاء في كتلته البرلمانية، ومسؤول في وزارة النفط، إضافة إلى نواب من حزب "عزم" السني. كما سبق ذلك توقيف عدنان الجميلي، نائب وزير النفط لشؤون التصفية، بتهم تتعلق بالاستيلاء على أموال مرتبطة بقطاع المصافي.
لكن ما منح الحملة بعدًا سياسيًا أوسع هو الحديث عن وجود شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لإيران ضمن قائمة المستهدفين، وعلى رأسها كتائب حزب الله العراقية، أحد أبرز الفصائل المنضوية ضمن قوات الحشد الشعبي.
ويرى التقرير أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمكافحة الفساد، بل بما إذا كانت بغداد بدأت مسارًا جديدًا لتقليص نفوذ القوى المرتبطة بطهران، خاصة أن الفساد في العراق أصبح متداخلًا بشكل كبير مع شبكات النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي.
النفط.. مصدر الثروة وبوابة الفساد
يمتلك العراق واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، ويعد من كبار المصدرين عالميًا، حيث يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على عائدات الطاقة التي تشكل نحو 90% من إيرادات الموازنة العامة.
وأشار تقرير "كاليبر" إلى أن العراق نجح خلال السنوات الأخيرة في جذب استثمارات أجنبية إلى قطاع النفط، خصوصًا من الشركات الصينية، إلا أن الثروة النفطية لم تنعكس بشكل متوازن على المجتمع، إذ ما تزال معدلات البطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، فيما يعيش ملايين العراقيين تحت خط الفقر.
وتسببت هذه الأوضاع في تصاعد الاحتجاجات الشعبية خلال السنوات الماضية، كان أبرزها احتجاجات عام 2019 التي طالبت بمكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل. إلا أن هذه الاحتجاجات قوبلت بقمع من جماعات مسلحة موالية لإيران، وفقًا للتقرير.
ويربط الكاتب بين ضعف الخدمات العامة وانتشار الفساد، مشيرًا إلى أن العراق خسر مئات المليارات من الدولارات بسبب الفساد منذ عام 2003، الأمر الذي انعكس على قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان.
هل تستهدف الحملة النفوذ الإيراني؟
يقول التقرير إن النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 أصبح قائمًا على المحاصصة بين القوى السياسية والطائفية، حيث تسيطر الأحزاب على مؤسسات الدولة وتستخدم المناصب الحكومية لتعزيز نفوذها وشبكاتها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يبرز نفوذ "الإطار التنسيقي"، وهو تحالف سياسي يضم قوى شيعية مقربة من إيران، ويتمتع بتأثير كبير داخل الحكومة والبرلمان، إضافة إلى علاقته بفصائل مسلحة بارزة ضمن الحشد الشعبي.
ويرى شيريشيفسكي أن بعض هذه الفصائل لا تملك نفوذًا عسكريًا فقط، بل تمتلك شبكات اقتصادية واسعة، كما أن بعض الشركات المرتبطة بها أصبحت جزءًا من منظومة مالية تشبه إلى حد بعيد نموذج الحرس الثوري الإيراني، الذي يجمع بين النفوذ العسكري والسيطرة الاقتصادية.
لكن التقرير يشير إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه جاء إلى السلطة بدعم من الإطار التنسيقي، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على مواجهة القوى التي ساهمت في وصوله إلى المنصب.
صراع داخلي أم إصلاح حقيقي؟
ينقل التقرير عن الخبير العراقي ريناد منصور قوله إن حملات مكافحة الفساد في العراق غالبًا ما تكون مرتبطة بانتقال السلطة بين الحكومات، إذ تستخدم القيادة الجديدة هذه الحملات لإبعاد شخصيات مرتبطة بالحكومة السابقة، واستبدالها بأخرى أكثر قربًا منها.
كما يرى رامزي مارديني، مؤسس شركة "جيوبول لابز" للاستشارات، أن حملات مكافحة الفساد في العراق تحولت إلى أداة سياسية تستخدمها الحكومات لتعزيز شرعيتها وإضعاف منافسيها داخل النخبة الحاكمة.
وبحسب منصور، فإن المسؤولين من الدرجات المتوسطة غالبًا ما يكونون الأكثر عرضة للملاحقة، بينما تبقى الشخصيات المرتبطة بقيادات الفصائل الكبرى بعيدة عن المساءلة، بسبب حجم نفوذها السياسي والعسكري.
ويخلص التقرير إلى أن القضاء على الفساد في العراق يظل مرتبطًا بإعادة هيكلة النظام السياسي نفسه، إذ إن الفساد والنفوذ الإيراني وشبكات القوى المسلحة أصبحت متشابكة بصورة تجعل من الصعب الفصل بينها.
وبينما قد تحقق الحملة الحالية بعض النتائج الجزئية، فإن السؤال الأكبر يبقى: هل ستصل الإجراءات إلى قادة الشبكات السياسية والمسلحة المرتبطة بإيران، أم ستظل مجرد أداة جديدة في صراع النفوذ داخل الطبقة الحاكمة؟