معهد واشنطن: التنسيق السعودي-الإماراتي مفتاح الرد على تهديدات إيران

القاهرة - بوابة الوسط

اعتبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن التقارب الأخير بين السعودية والإمارات قد يفتح الباب أمام بلورة استراتيجية خليجية أكثر فاعلية لاحتواء التهديدات الإيرانية، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا في التوترات الأمنية، سواء مع تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو استمرار تهديدات الحوثيين لحركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

وأشار تقرير نشره المعهد إلى أن الرسائل المتبادلة مؤخرًا بين كبار المسؤولين في الرياض وأبوظبي، والتي أكدت متانة العلاقات بين البلدين، قد تمثل بداية لمرحلة جديدة من التنسيق، رغم أنه لا يزال من المبكر الجزم بأن هذا التقارب سيتحول إلى خطوات عملية تنهي فترة من التباعد والخلافات في بعض الملفات الإقليمية.

ويرى التقرير أن الحاجة إلى هذا التنسيق أصبحت أكثر إلحاحًا في ظل ما وصفه بجولة جديدة من التصعيد بين واشنطن وطهران، إلى جانب الأزمة المتطورة مع الحوثيين في باب المندب، والتي قد تتزامن مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، بما يهدد بظهور "أزمة اختناق مزدوجة" في اثنين من أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.

وأوضح المعهد أن إيران، حتى إذا تراجعت حدة المواجهة العسكرية الحالية، لن تتخلى عن استراتيجيتها القائمة على ممارسة الضغوط على جيرانها واستخدام مضيق هرمز كورقة نفوذ، خصوصًا في مرحلة إعادة بناء قدراتها بعد الحرب. كما استبعد أن تؤدي أي مفاوضات مستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران إلى معالجة المخاوف الأمنية لدول الخليج بصورة كاملة.

ثلاثة محاور

وانطلاقًا من هذه المعطيات، دعا التقرير دول الخليج إلى عدم الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية وحدها أو على الانفتاح الثنائي مع طهران، بل إلى بناء استراتيجية جماعية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي "الردع"، و"الانخراط المشروط"، و"حماية حرية الملاحة".

وفي المحور الأول، يرى التقرير أن الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد أهداف اقتصادية في الخليج كشفت حدود فعالية أنظمة الدفاع الحالية، وأن الاكتفاء بتطوير الدفاعات الجوية والصاروخية لن يكون كافيًا لردع طهران.

وبحسب التقرير، فإن المطلوب هو وضع خطوط حمراء واضحة تلتزم جميع دول الخليج بالدفاع عنها بصورة جماعية، بحيث يُنظر إلى أي هجوم على دولة خليجية باعتباره هجومًا على بقية الدول، مع استخدام أدوات الرد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية بصورة منسقة.

وأشار إلى أن الرد الجماعي لا يعني بالضرورة اللجوء إلى القوة العسكرية، وإنما يشمل أيضًا توظيف النفوذ الاقتصادي والسياسي الخليجي بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين والآسيويين لفرض كلفة مرتفعة على إيران إذا استمرت في استهداف دول الخليج أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

كما دعا التقرير إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بصورة أكثر فاعلية، من خلال تقليص العلاقات التجارية القائمة مع إيران، وإغلاق شركات الواجهة ومكاتب الصرافة ومسارات إعادة التصدير التي ساعدت طهران لسنوات على الالتفاف على العقوبات الدولية.

تنسيق بين الرياض وأبوظبي

وأكد التقرير أن نجاح أي سياسة ردع خليجية يتوقف على وجود تفاهم كامل بين السعودية والإمارات بشأن آليات تطبيق هذه الخطوط الحمراء، محذرًا من أن تحرك أي دولة منفردة سيمنح إيران فرصة لعزلها والالتفاف على الضغوط الجماعية.

وضرب التقرير مثالًا بإمكانية أن تسمح إيران بمرور السفن التابعة لمعظم الدول الخليجية، مع استهداف حركة الملاحة الإماراتية فقط، وهو ما قد يصعب حشد موقف دولي داعم. كما يمكن أن يؤدي استهداف مدينة مثل دبي إلى انتقال الشركات والاستثمارات إلى مدن خليجية أخرى، ما يضعف أثر أي تحرك منفرد.

وفي الوقت نفسه، رأى التقرير أن بعض الدول الخليجية، مثل سلطنة عمان، قد تختار عدم المشاركة في إجراءات الرد الجماعي ضد إيران، لكنه شدد على أهمية ألا تتحول إلى منفذ يتيح لطهران الالتفاف على العقوبات أو تقويض أي سياسة ردع خليجية مشتركة.

انخراط اقتصادي مشروط

أما المحور الثاني فيتمثل، وفق التقرير، في اعتماد سياسة "الانخراط المشروط" مع إيران، بحيث تستخدم دول الخليج أدواتها الاقتصادية كوسيلة لتغيير سلوك طهران، وليس لتقديم تنازلات مجانية.

وأوضح أن بعض الدول الخليجية قد تكون قدمت بالفعل تسهيلات اقتصادية لإيران، مثل الإفراج عن أصول مالية مجمدة، بهدف تهدئة الأوضاع خلال الأشهر الماضية، إلا أن استمرار هذا النهج دون شروط واضحة قد يشجع إيران على رفع سقف مطالبها.

ولذلك، أوصى التقرير بأن يكون أي دعم اقتصادي مستقبلي مشروطًا بتعهد إيران بوقف جميع الهجمات المباشرة وغير المباشرة ضد دول الخليج، والتخلي عن أي محاولات لفرض رسوم أو قيود على حركة السفن في مضيق هرمز.

وأضاف أن استخدام المساعدات الاقتصادية كمكافأة على ضبط النفس سيكون أكثر فاعلية من استخدامها لشراء تهدئة مؤقتة، لأن الأخيرة تمنح إيران حوافز للاستمرار في سياسة الضغوط.

حرية الملاحة

واعتبر التقرير أن حماية حرية الملاحة تمثل الركيزة الثالثة في أي استراتيجية خليجية، محذرًا من أن السماح لإيران بفرض سيطرة إدارية على السفن العابرة لمضيق هرمز سيمنحها أداة ضغط دائمة على اقتصادات المنطقة.

وأشاد بالموقف الخليجي الموحد، الذي شمل سلطنة عمان، في رفض المقترحات الإيرانية المتعلقة بفرض رسوم إلزامية على السفن أو إنشاء ممر ملاحي تديره طهران، معتبرًا أن هذا التنسيق يمثل خطوة إيجابية ينبغي البناء عليها.

كما دعا إلى توسيع التعاون مع القوى الدولية، وخاصة الدول الآسيوية المستوردة للطاقة والدول الأوروبية، لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام حركة التجارة العالمية، مشيرًا إلى أن أي تغيير في الوضع الأمني بالمضيق ستكون له انعكاسات مباشرة على الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

دور محوري للسعودية والإمارات

ورغم اعتراف التقرير باستمرار وجود تباينات بين السعودية والإمارات، سواء في المنافسة الاقتصادية أو في بعض المواقف الإقليمية، بما فيها العلاقة مع إسرائيل، فإنه اعتبر أن البلدين يمتلكان أكبر قدر من النفوذ العسكري والاقتصادي والدبلوماسي داخل مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يؤهلهما لقيادة أي سياسة جماعية تجاه إيران.

وأشار إلى أن بقية دول الخليج تمتلك أيضًا أدوارًا مهمة، إذ تتمتع قطر بثقل اقتصادي وخبرة في الوساطة الإقليمية، بينما توفر سلطنة عمان قناة اتصال مع طهران يمكن استخدامها لتقليل مخاطر سوء التقدير، في حين تواصل الكويت والبحرين دعم الجهود الرامية إلى تعزيز التنسيق الخليجي.

وخلص معهد واشنطن إلى أن نجاح الرياض وأبوظبي في تحويل رسائل التقارب السياسي إلى تنسيق عملي ومستدام لن يسهم فقط في تعزيز قدرة دول الخليج على مواجهة التهديدات الإيرانية، بل قد يضع أيضًا الأسس لنظام أمني إقليمي جديد تكون دول الخليج هي الطرف الأكثر تأثيرًا في صياغة أولوياته وإدارة توازناته.

Next
Next

الفنانة المصرية شيرين تستعد لحفلتها القادمة في الساحل الشمالي