معهد واشنطن: نجاح اتفاق السلام بين لبنان وإسرائيل يعتمد على نزع سلاح حزب الله
اعتبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل فرصة تاريخية لإرساء سلام دائم بين البلدين، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن نجاح الاتفاق سيظل مرهونًا بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزامها باستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، وفي مقدمة ذلك نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية.
وفي تحليل مطول أعده المدير التنفيذي للمعهد، روبرت ساتلوف، أكد أن الاتفاق يعد الأكثر أهمية في العلاقات اللبنانية الإسرائيلية منذ اتفاق الهدنة الموقع قبل أكثر من سبعة عقود، بل إنه يتجاوز في طموحه الاتفاقات السابقة، إذ لا يقتصر على وقف الأعمال العدائية أو تنظيم الترتيبات الأمنية، وإنما يضع هدفًا واضحًا يتمثل في التوصل إلى اتفاق سلام شامل بين بيروت وتل أبيب.
وأوضح التحليل أن الاتفاق يستخدم مصطلح "اتفاق إطار" للإشارة إلى أنه يمثل خطوة تأسيسية نحو سلام دائم، على غرار اتفاقيات كامب ديفيد، لكنه يختلف عنها في تركيزه على معالجة جذور الأزمة الأمنية داخل لبنان، وربط أي تقدم سياسي باستعادة الدولة اللبنانية احتكارها لاستخدام القوة على كامل أراضيها.
وأشار المعهد إلى أن النص يمنح مفهوم السلام مكانة مركزية، حيث يتكرر الحديث عن "السلام" و"العلاقات السلمية" في أكثر من موضع، كما ينص على تشكيل مجموعات عمل مشتركة لبدء إعداد اتفاق شامل للسلام والأمن، وهو ما يعني أن الطرفين تجاوزا فكرة الاكتفاء بوقف إطلاق النار أو العودة إلى اتفاق الهدنة، واتجها نحو تسوية سياسية أوسع.
ورأى ساتلوف أن أبرز ما يميز الاتفاق هو اعتماده مبدأ التنفيذ المتدرج والمتبادل، إذ يرتبط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بانتشار الجيش اللبناني تدريجيًا في المناطق المستهدفة، واستعادة سلطات الدولة، مع التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها العسكرية.
ولفت إلى أن الاتفاق لا يحدد جدولًا زمنيًا ملزمًا لهذه العملية، لكنه يربط بوضوح بين نجاح الجيش اللبناني في تنفيذ التزاماته وبين تقدم الانسحاب الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل تنفيذ الالتزامات الأمنية شرطًا أساسيًا لتحقيق أي تقدم سياسي أو ميداني.
وأوضح التحليل أن الاتفاق يتضمن إنشاء "مناطق تجريبية" يبدأ فيها انتشار الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية بصورة متدرجة، على أن يتم التوسع لاحقًا إلى مناطق أخرى بعد التحقق من نجاح المرحلة الأولى، إضافة إلى تشكيل مجموعة تنسيق عسكرية مشتركة تعمل على مدار الساعة لمتابعة التنفيذ والتحقق من الالتزام بالإجراءات الأمنية.
وفيما يتعلق بحزب الله، أكد معهد واشنطن أن الاتفاق يضع للمرة الأولى تصورًا واضحًا لإنهاء وجود أي قوة عسكرية خارج إطار الدولة اللبنانية، موضحًا أن المقصود بنزع السلاح لا يقتصر على مصادرة الأسلحة، وإنما يشمل أيضًا تفكيك البنية العسكرية المرتبطة بالحزب، بما في ذلك مخازن الأسلحة والأنفاق ومراكز القيادة والمنشآت العسكرية، مع الإشارة إلى أن التطبيق العملي سيحدد مدى شمول هذه الإجراءات لمصانع إنتاج الأسلحة والطائرات المسيّرة وشبكات الاتصالات والمنظومة المالية التابعة للحزب.
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق يستبعد بشكل واضح فكرة دمج عناصر حزب الله ضمن الجيش اللبناني، مؤكدًا أن الحكومة اللبنانية التزمت بألا يكون لأي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة أي دور عسكري أو أمني أو قدرة قتالية داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يمثل تحولًا جوهريًا مقارنة بالترتيبات السابقة.
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح التحليل أن الاتفاق لا يقتصر على الإجراءات العسكرية، بل يتضمن التزامًا رسميًا من الحكومة اللبنانية بمنع وصول الأموال إلى حزب الله أو الجهات المرتبطة به، بما في ذلك التمويل المخصص لإعادة الإعمار، معتبرًا أن تجفيف مصادر التمويل يمثل أحد أهم أدوات إضعاف الحزب ومنع إعادة بناء قدراته العسكرية مستقبلاً.
كما أبرز التقرير الدور الأمريكي المحوري في الاتفاق، موضحًا أن الولايات المتحدة لن تكتفي بدور الوسيط السياسي، وإنما ستشارك في الإشراف على تنفيذ الترتيبات الأمنية، ودعم تشكيل آليات التنسيق العسكري، والمساعدة في التحقق من تنفيذ الالتزامات، إضافة إلى قيادة الجهود الدولية لحشد الدعم السياسي والاقتصادي للبنان.
وأشار المعهد إلى أن واشنطن تعهدت أيضًا بالمساهمة في إعادة إعمار لبنان، والعمل مع الحكومة اللبنانية لمنع تدفق الأموال إلى الجماعات المسلحة، مع ربط أي مساعدات أمريكية جديدة بتحقيق نتائج ملموسة في تنفيذ الاتفاق، بما يضمن الشفافية والرقابة واستمرار الالتزام بالإصلاحات المطلوبة.
وفي المقابل، رأى التحليل أن الاتفاق يوجه رسالة سياسية واضحة برفض أي دور عسكري أو أمني لإيران داخل لبنان، إذ يؤكد حق الدولة اللبنانية وحدها في امتلاك القرار السيادي، وهو ما يفسر المعارضة الشديدة التي أبدتها كل من حزب الله وحركة أمل للاتفاق، في ظل اعتباره تهديدًا مباشرًا لنفوذهما السياسي والعسكري.
ورغم ما وصفه الكاتب بالشجاعة السياسية التي أظهرتها القيادة اللبنانية في تبني الاتفاق، فإنه حذر من أن طريق التنفيذ سيكون بالغ الصعوبة، في ظل وجود قوى داخلية وإقليمية تعارض نزع سلاح حزب الله، فضلًا عن حساسية المشهد السياسي اللبناني والانقسامات الداخلية.
واختتم معهد واشنطن تحليله بالتأكيد على أن الاتفاق يوفر فرصة غير مسبوقة لبناء سلام مستدام بين لبنان وإسرائيل، إلا أن هذه الفرصة قد تضيع إذا لم يتحول الاتفاق إلى خطوات عملية وسريعة على الأرض، مشددًا على أن نجاحه يعتمد في المقام الأول على قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة، ونزع سلاح حزب الله، واستمرار الدعم الأمريكي والدولي، إلى جانب التزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات الاتفاق بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.