من الفوضى إلى الإغلاق.. كيف تحاول دمشق ضبط ملف الهاربين من معسكر الهول؟
قالت جريدة "وول ستريت جورنال" إن تسلم الحكومة السورية السيطرة على مخيم الهول عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، أثار مخاوف بشأن كيفية إدارة هذا المخيم، في ظل فوضى كبيرة وحديث عن فراغ أمني وهروب معتقلينن.
ويُعد ملف إدارة مخيم الهول في شمال شرق سوريا واحدًا من أكثر الملفات الأمنية تعقيدًا بعد نهاية السيطرة الفعلية لتنظيم "داعش" في المنطقة، على مدى سنوات، ظل المخيم يضم عشرات الآلاف من المحتجزين، بينهم نساء وأطفال يُشتبه بانتمائهم للتنظيم، وكان يشكّل نقطة تركيز للأمن الإقليمي والضغوط الدولية.
التحول في السيطرة وتداعياته
في يناير 2026، أطلقت الحكومة السورية هجومًا واسعًا على مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية التي كانت تدير معسكر الهول، وأجبرتها على الانسحاب من مواقعها، بما في ذلك المخيم. ترك الانسحاب الكثير من أجزاء المخيم بدون حراسة منظمة لساعات، مما أدى إلى احتجاجات، تمردات، وفرار أفراد منه. الحكومة السورية اتفقت مع قسد على نقل مسؤولية إدارة المخيم والسجون المتصلة به ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق نار مع توسيع سيطرة دمشق في المنطقة.
لكن هذه السيطرة لم تكن سلسة؛ فقد شهد المخيم هروبًا واسع النطاق لمساجين يشتبه بانتمائهم للتنظيم، لا سيما وأن المخيم كان كبيرًا مع عدد كبير من الفصائل المتنوعة داخل أجنحته، ما جعل إعادة ضبط الأمن أمرًا بالغ الصعوبة بحسب مسؤولين سوريين.
فوضى داخل المخيم وأثرها الأمني
الحكومة السورية واجهت مشاكل متعددة بعد استلامها المخيم. أولها كانت الانفلات الأمني داخل المخيم نفسه، إذ سُجِّل فرار آلاف المحتجزين بينما كانت قوات الأمن الجديدة تحاول إعادة هيكلة الحراسة. المخيم، الذي احتوى عشرات آلاف الأشخاص، عانى من فراغ في النظام الأمني، ما أدى إلى سقوط مواقع الحراسة وفتح ثغرات في السياج والتحكم.
وكان من أبرز مظاهر الفوضى قيام بعض السكان بالاحتجاج على توقف المساعدات والظروف المعيشية، وهو ما أثار قلق السلطات السورية حول إمكانية أن تستغل خلايا وعناصر متطرفة هذا الوضع للهروب أو لإعادة تنظيم نفسها داخليًا أو خارجيًا.
قرار الإغلاق وإعادة التوزيع
في محاولة لاحتواء الفوضى ومنع المزيد من الانفلات الأمني، بدأت السلطات السورية في نقل من تبقّى من سكان المخيم، خاصة النساء والأطفال، إلى موقع بديل في ريف حلب الشمالي حيث تتوفر بنية تحتية أفضل وقدرة أكبر على السيطرة الأمنية. تأتي هذه الخطوة كجزء من خطة لإغلاق المخيم نهائيًا خلال الأيام المقبلة، وهي عملية شاملة تهدف إلى وضع حد للفوضى التي رافقت استيلاء دمشق على الموقع.
نقل الناس من المخيم القديم إلى مكان جديد هو جزء من استراتيجية دمشق لخلق بيئة مؤسساتية يمكن ضبطها بشكل أفضل، وتقليل فرص الهروب أو التلاعب من قبل التنظيمات المتطرفة المتبقية. لكن هذه الخطوة ليست خالية من التحديات؛ فالعديد من الأجانب غادروا المخيم في الأسابيع الماضية، إما من خلال تهريبهم إلى مناطق أخرى داخل سوريا أو عبر الحدود، ما يثير مخاوف أمنية إضافية حول انخراطهم لاحقًا في أنشطة متطرفة.
القلق الدولي والضغوط الإنسانية
في الوقت الذي تعلن فيه دمشق أنها تعمل على تحسن الوضع الأمني، هناك قلق دولي متزايد حول مصير الهاربين من المخيم. المسؤولون الغربيون، ولا سيما من الولايات المتحدة، حريصون على عدم أن يُعاد تنظيم داعش بقوة جديدة نتيجة الفراغ الأمني والترحيل الفوضوي للمحتجزين، خاصة أن آلاف المقاتلين المشتبه بانتمائهم للتنظيم تم نقلهم إلى العراق كجزء من عملية مستقلة، في حين يعبر البعض عن مخاوف من أن هؤلاء قد يكونون عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان.
من ناحية أخرى، تعتبر بعض المنظمات الحقوقية أن إدارة الملف الأمني لا يمكن أن تتم على حساب القيم الإنسانية والقانون الدولي، وأن نقل المحتجزين من موقع لآخر أو التعامل معهم في إطار أمني بحت، دون مراعاة جوانب العدالة وحقوق الإنسان، قد يؤدي إلى مشكلات جديدة.
التحديات المقبلة
ما بعد الإغلاق النهائي لمخيم الهول لا يزال محفوفًا بالأسئلة: كيف ستتم مراقبة الهاربين الذين خرجوا قبل الإغلاق؟ وهل سيُعاد إدماجهم في المجتمع السوري أو يُعاد تسليمهم إلى دولهم الأصلية؟ وأيضًا، كيف سيتم التعامل قانونيًا مع المحتجزين الذين تم ترحيلهم إلى أماكن أخرى، خصوصًا في ظل عدم استجابة الكثير من الدول لاستعادة رعاياها؟ كل هذه الأسئلة تعكس أن إغلاق المخيم هو بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا من ملف إدارة بقايا تنظيم داعش، الذي لم ينته بعد رغم سقوط “الخلافة” المعلنة قبل سنوات.
خاتمة
من الفوضى التي أعقبت انسحاب قسد إلى الإغلاق النهائي لمخيم الهول، يتضح أن دمشق تواجه اختبارًا عسيرًا في ضبط ملف الهاربين من المخيم. فبين محاولة إعادة الأمن والاستقرار وإدارة ملف إنساني معقد، وبين ضغوط دولية حول مصير الأفراد المشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش، يبقى هذا الملف من أكبر التحديات في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا، وقد يشكل مؤشرًا مهمًا على قدرة الحكومة السورية على إدارة التهديدات الأمنية دون الوقوع في انعكاسات إنسانية أو سياسية جديدة.