أميركا تعيد تعريف التحالفات.. استراتيجية ترامب للأمن القومي تُربك أوروبا

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، في وثيقة أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، خصوصًا في أوروبا، حيث اعتُبرت تحولًا حادًا في نظرة واشنطن لحلفائها التقليديين. ووفق ما أوردته مجلة تايم الأميركية، فإن الوثيقة لا تكتفي بإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي، بل تتبنى خطابًا سياسيًا وأيديولوجيًا مباشرًا تجاه القارة الأوروبية، وهو ما لم يكن مألوفًا في الاستراتيجيات السابقة.

الوثيقة، التي صدرت في 33 صفحة، تؤكد أن السياسة الخارجية الأميركية باتت تستند بشكل صريح إلى مبدأ «أميركا أولًا»، مع التركيز على المصالح القومية الضيقة، وتقليص الالتزامات التي ترى واشنطن أنها لم تعد تخدم أمنها أو اقتصادها. إلا أن الجزء المتعلق بأوروبا كان الأكثر إثارة للانتباه، إذ حمل لغة نقدية غير مسبوقة بحق سياسات الاتحاد الأوروبي وعدد من الحكومات الغربية.

وبحسب تقرير مجلة تايم، تحذر الاستراتيجية من أن أوروبا تواجه ما تصفه بـ«تدهور حضاري»، معتبرة أن السياسات الحالية في مجالات الهجرة، والهوية، وحرية التعبير، قد تجعل القارة «غير قابلة للتعرف» خلال العقود المقبلة. كما تشير الوثيقة إلى أن بعض الدول الأوروبية باتت تعاني من تراجع الثقة بالنفس الوطنية، ومن تضييق متزايد على المعارضة السياسية، وهو ما اعتبره مراقبون تدخلاً مباشرًا في الشؤون الداخلية لحلفاء واشنطن.

وتذهب الاستراتيجية أبعد من مجرد النقد، إذ تدعو إلى دعم ما تسميه «مقاومة المسار الحالي» داخل أوروبا، وهي عبارة فسّرها دبلوماسيون أوروبيون على أنها إشارة ضمنية لتشجيع التيارات الشعبوية واليمينية المناهضة للمؤسسات الأوروبية التقليدية. وقد أثار هذا التوجه قلقًا واسعًا داخل العواصم الأوروبية، التي رأت فيه تهديدًا مباشرًا لتماسك الاتحاد الأوروبي والعلاقات عبر الأطلسي.

ردود الفعل الأوروبية جاءت حذرة لكنها حادة في مضمونها. فقد عبّر مسؤولون في ألمانيا وفرنسا عن رفضهم للغة المستخدمة في الوثيقة، مؤكدين أن العلاقات مع الولايات المتحدة يجب أن تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، لا على الوصاية أو التقييم الأيديولوجي. ونقلت مجلة تايم عن دبلوماسي أوروبي قوله إن الوثيقة «تشبه بيانًا سياسيًا أكثر من كونها استراتيجية أمن قومي».

وفي موازاة ذلك، أعادت الاستراتيجية الأميركية إحياء مبدأ مونرو بصيغة معاصرة، واضعة نصف الكرة الغربي في صدارة الأولويات الجيوسياسية لواشنطن. ووفق الوثيقة، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها في أميركا اللاتينية والكاريبي، ومواجهة التغلغل الصيني المتزايد في تلك المناطق، سواء عبر الأدوات الاقتصادية أو العسكرية أو الدبلوماسية.

اللافت أن الاستراتيجية لم تضع روسيا في صدارة التهديدات القومية، كما جرت العادة في العقود الماضية، وهو ما اعتبره محللون تحولًا كبيرًا في التفكير الاستراتيجي الأميركي. ووفق ما أوردته تايم، فإن هذا التراجع في التركيز على موسكو أثار قلقًا أوروبيًا، لا سيما في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا واعتماد كييف بشكل كبير على الدعم الغربي.

أما في الشرق الأوسط، فتتبنى الوثيقة مقاربة أقل تدخلاً، حيث تؤكد أن الولايات المتحدة لن تسعى إلى فرض نماذج سياسية أو تغيير أنظمة، بل ستتعامل مع دول المنطقة «كما هي»، مع التركيز على المصالح الأمنية المباشرة ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في تقليص الانخراط العسكري المباشر مقارنة بالسنوات السابقة.

داخليًا، لم تسلم الاستراتيجية من الانتقادات. فقد أعرب عدد من أعضاء الكونغرس، خاصة من الحزب الديمقراطي، عن خشيتهم من أن تؤدي هذه الرؤية إلى تقويض دور الولايات المتحدة كقائدة للنظام الدولي، وإضعاف التحالفات التي شكّلت حجر الأساس للاستقرار العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبحسب تحليل مجلة تايم، فإن استراتيجية ترامب للأمن القومي لا تمثل مجرد تعديل في السياسات، بل إعادة تعريف شاملة لموقع الولايات المتحدة في العالم، تقوم على تقليص الالتزامات، وتغليب الحسابات القومية، والتعامل مع الحلفاء من منظور المصلحة لا القيم المشتركة. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، قد تجد فيها أوروبا نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في اعتمادها التاريخي على المظلة الأميركية.

Previous
Previous

"الكرامة هي ألا يموت الإنسان".. صانعة المحتوى الغزيّة شهد الشرفا ترد على حديث عهد التميمي

Next
Next

د. رائد موسى: المرحلة القادمة هي الإعلان عن تشكيل الجهات التي ستشرف على الأمن والإدارة في قطاع غزة