..رؤوس حماس
بقلم: حميد قرمان
بلغت حدة الاستقطاب الداخلي في الأطر القيادية لحركة حماس مرحلة الغليان بعد صدور نتائج انتخابات رئاسة المكتب السياسي للحركة، بتفوّق خليل الحية في عدد الأصوات على منافسه خالد مشعل. وتجلّى هذا الانقسام علنًا في التراشق الأخير بين القياديين؛ إذ جاء تشديد خليل الحية على مواصلة نهج "السابع من أكتوبر" وتعميق التحالف البنيوي مع "المحور الإيراني" بقيادة طهران، بمثابة ردٍّ حاسم ورفض مباشر لبيان خالد مشعل الداعي إلى العودة إلى مبدأ الشورى المؤسسية، والحفاظ على وحدة القرار الحركي وسط تجاذبات ما بات يُعرف بتيارات حماس، الموزعة بين تيار إيراني يدعم الحية، وتيار تركي إخواني يدعم خالد مشعل.
بدأت الحكاية عقب اغتيال إسماعيل هنية في طهران، حين أحجمت قيادات حماس في غزة والضفة والخارج عن تولي رئاسة الحركة أو مكتبها السياسي؛ خشيةً من مصير الاغتيال الذي بات يلاحق كل من يتصدر المشهد.
في هذا السياق، جاء تعيين يحيى السنوار -الذي لم يُستشر في تولي المنصب بسبب ظروف الحرب آنذاك- ليحقق أهدافًا متعددة، أبرزها استثمار صورته الشعبية، ووضعه في مرمى الآلة العسكرية الإسرائيلية هدفًا مؤكدًا للتصفية، وكثمن قد يفتح مسارًا لحل سياسي ينهي الحرب.
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى اغتيل السنوار في عملية لا تزال ملابساتها محل تأويلات متعددة، وقد أدخل هذا الحدث المتوقع قيادة حماس في حالة من الترقب بشأن إعادة هيكلة المكتب السياسي ورئاسته، لا سيما في ظل تداخل النفوذين التركي-الإخواني والإيراني. وبناءً على ذلك، جاء المقترح القطري بتشكيل هيئة قيادية مؤقتة برئاسة رئيس مجلس شورى الحركة، وعضوية كل من خالد مشعل (رئيس حماس في الخارج) وخليل الحية (الذي كان يشغل منصب نائب رئيس حماس آنذاك).
ونتيجةً لتخوفات داخلية في الحركة، جرى تطوير المقترح القطري لاحقًا ليصبح الهيكل القيادي خماسيًا بدلًا من ثلاثي، عبر إضافة زاهر جبارين (نائب رئيس حماس في الضفة) ونزار عوض الله (أمين سر الحركة).
خلق تمثيل أعضاء المجلس القيادي على خارطة النفوذ الإقليمي داخل الحركة إشكاليات عقدت مساعي التوصل إلى حل سياسي للحرب في غزة، لا سيما في ظل نجاح إسرائيل في اغتيال عدد كبير من أعضاء المجلس العسكري هناك، وصعود قيادات من الصفين الثاني والثالث لا تملك رؤية متوافقة أو مشتركة مع الجناح السياسي للحركة في الخارج.
ظهر التشدد الإيراني في اختيار قيادة حماس المقبلة وسط انحسار نفوذ طهران في ساحات وعواصم محورها، من خلال الدفع بخليل الحية للحفاظ على مصالح "الحرس الثوري" وارتباطاته بالحركة. في المقابل، تسعى التوجهات التركية إلى اختيار خالد مشعل، بهدف تحويل الحركة إلى كيان سياسي بعيدًا عن العمل المسلح، وهو ما صرح به وزير الخارجية التركي عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، إذ تسعى أنقرة إلى صياغة نموذج آخر لـ"أحمد الشرع" داخل حماس.
أما التوجه الإخواني، فيرى في انتخاب مشعل رافعة أيديولوجية للجماعة التي تراجعت شعبيتها في الشارع العربي، وتأثرت مكانتها العالمية بعد تصنيفها جماعةً إرهابية في العديد من الدول.
مجددًا.. في ظل تعقيدات المشهد السياسي الراهن في المنطقة، أدى تباين التوجهات داخل حركة حماس، الناتج عن تضارب النفوذ الإقليمي، إلى التأثير في مجمل ملفات الحركة، لا سيما مسار الحرب في غزة، وعقدة انتخابات المكتب السياسي.
انطلقت العملية الانتخابية داخل الحركة، وحاول الحرس الثوري تعطيلها مع بدء الحرب الأميركية على النظام الإيراني في أواخر فبراير من العام الحالي، خوفًا من فوز خالد مشعل برئاسة الحركة، إلا أن الضغوط القطرية والتركية دفعت باتجاه إتمام الانتخابات رغم بطئها.
في ظل التعثر ومحاولات التعطيل والمماطلة، أُعلن عن فوز خليل الحية برئاسة المكتب السياسي لحركة حماس، وهو إعلان لم يكن مفاجئًا، إلا أن نتائج التصويت تحمل مؤشرات تستدعي التوقف؛ فقد حصل الحية على 35 صوتًا مقابل 34 صوتًا لخالد مشعل.
ويعكس هذا التقارب في الأصوات استعادة مشعل لنفوذه داخل الحركة، لا سيما في الخارج، بعد سنوات هيمن فيها تيار غزة والأسرى على القرار، خاصة بعد صفقة شاليط وتولي إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي عام 2017.
بين ساحات غزة والضفة والخارج، يبرز ثقل خليل الحية متفوقًا باكتساح في ساحة غزة، بينما يتعادل مع خالد مشعل في ساحة الضفة. أما في الخارج، فينجح مشعل في موازنة فارق الأصوات الذي تفوق به الحية في غزة، إلا أن صوتًا واحدًا كان كفيلًا بحسم النتيجة لصالح الحية بعد جمع الأصوات كافة.
في المقابل، يُمثّل انتخاب علي العامودي، المقرّب من يحيى السنوار وحافظ أسراره، رئيسًا للحركة في غزة، استمرارًا لنفوذ هذا التيار (تيار غزة) داخل الحركة، رغم خسارته عددًا من قياداته إثر الاغتيالات الإسرائيلية، وهو ما انعكس في حسم رئاسة المكتب السياسي.
لا تحولات جذرية في بنية حماس، ولا تغيير في موازين القوى داخلها، رغم محاولات إسرائيل التأثير في مشهدها عبر نهج الاغتيالات في صفوفها الأولى؛ إذ لا يزال تأثير تياري الأسرى وغزة فاعلًا في فرض خياراتهما، وهو ما تجلّى في احتفاظ غزة برئاسة المكتب السياسي للدورة الثالثة على التوالي.
تأتي نتائج المعركة الانتخابية لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس لتطوي صفحة القيادة الجماعية المؤقتة، وسط تجاذبات إقليمية تفرض أجندات ومصالح تتحكم في مسارات الحركة وتوجهاتها السياسية.
نحن بصدد نموذج فريد لما يمكن تسميته "حماس متعددة الرؤوس"، يتمثل في خليل الحية، وخالد مشعل، وعلي العامودي. وهو نموذج سيلقي بظلاله على تماسك الحركة ووحدة قرارها، ويؤثر في قدرتها على مواجهة التحديات الراهنة وتحقيق التوازن في منظومة علاقاتها الإقليمية ذات المصالح المتضاربة.
مجددًا.. تجلى هذا النموذج أول ما تجلى في بيان خالد مشعل الذي صدر فور إعلان نتائج الانتخابات، مؤكدًا ضرورة الالتزام بمبدأ الشورى ووحدة القرار الحركي؛ وهي محاولة استباقية لمنع خليل الحية وتياره من الانفراد بقرار الحركة لصالح إيران وحرسها الثوري، وهو ما أكده الحية في خطاب متلفز بإعلانه الالتزام بمواصلة النهج ذاته الذي أنتج "السابع من أكتوبر"، بل والذهاب أبعد من ذلك بإعادة التمسك بالتحالف البنيوي مع "المحور الإيراني".
ما سبق ينذر بصراع سياسي وأيديولوجي حاد بين "رؤوس" تبحث عن البقاء العسكري عبر طهران، ورؤوس أخرى تبحث عن النجاة السياسية عبر قنوات الدبلوماسية العربية والإقليمية.