"ثمن التضحيات".. "لوموند": هل تغيرت نظرة شيعة لبنان إلى حزب الله؟
لم تعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله تُقاس فقط بنتائجها العسكرية أو السياسية، بل بما تركته من آثار عميقة داخل البيئة الشيعية في لبنان، التي شكّلت لعقود الحاضنة الرئيسية للحزب.
ففي تقرير مطول، ترصد صحيفة "لوموند" الفرنسية بوادر تحول في المزاج العام داخل هذه البيئة، حيث بدأ كثيرون يطرحون أسئلة صعبة حول حجم التضحيات التي دفعتها الطائفة، وما إذا كانت مبررة مقارنة بالخسائر البشرية والمادية التي خلفها الصراع.
ورغم استمرار شريحة واسعة من أنصار الحزب في اعتبار ما جرى امتدادًا لمعركة "المقاومة"، فإن التقرير يشير إلى اتساع مساحة النقاش الداخلي بشأن مستقبل هذا الخيار، في ظل الدمار الذي طال عشرات القرى الجنوبية وسقوط آلاف الضحايا وتشريد مئات الآلاف.
بين الولاء والتساؤل
تنقل الصحيفة عن عائلات في جنوب لبنان ما يزال أفرادها يؤكدون تمسكهم بحزب الله رغم فقدان أقاربهم وتدمير منازلهم، معتبرين أن التضحية جزء من عقيدتهم الدينية والسياسية، وأن المواجهة مع إسرائيل لا تزال مبررة.
لكن في المقابل، تشير "لوموند" إلى أن هذه القناعة لم تعد موحدة كما كانت في السابق، إذ بدأت أصوات داخل المجتمع الشيعي تتساءل عن جدوى استمرار المواجهة المسلحة، بعدما دفعت المناطق الشيعية الثمن الأكبر من الحرب.
فاتورة الحرب
ويبرز التقرير حجم الخسائر التي شكلت أساس هذا الجدل، إذ أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 4200 شخص، معظمهم مدنيون، وتدمير نحو 60 قرية في جنوب لبنان، إضافة إلى نزوح مئات الآلاف من السكان، وهي أرقام جعلت كثيرين يعيدون تقييم كلفة الصراع.
وترى الصحيفة أن هذه الخسائر لم تعد تُناقش باعتبارها مجرد "ثمن للمقاومة"، بل باتت تدفع بعض أبناء الطائفة إلى التساؤل عما إذا كان استمرار النهج العسكري يخدم مصالحهم، أم أنه يفاقم الأزمات التي يعيشها لبنان.
إيران والحزب
وفي المقابل، يلفت التقرير إلى أن مؤيدي حزب الله يرون أن الدعم الإيراني كان عاملًا رئيسيًا في صمود الحزب، معتبرين أن طهران أسهمت في فرض معادلة ردع جديدة مع إسرائيل، وهو ما يعزز، من وجهة نظرهم، شرعية استمرار "المقاومة".
كما يعتبر هؤلاء أن عدم تمكن الدولة اللبنانية، خلال المفاوضات مع إسرائيل، من انتزاع انسحاب إسرائيلي كامل أو تحقيق مكاسب سياسية ملموسة، عزز قناعتهم بأن الاحتفاظ بسلاح حزب الله لا يزال ضرورة.
مرحلة جديدة
وتخلص لوموند إلى أن الحرب الأخيرة لم تُحدث قطيعة كاملة بين الشيعة وحزب الله، لكنها فتحت نقاشًا لم يكن مطروحًا بهذا الحجم من قبل داخل بيئته الحاضنة. فبينما لا يزال الحزب يحتفظ بقاعدة شعبية، فإن حجم الدمار والخسائر الإنسانية دفع شريحة من أبناء الطائفة إلى مراجعة مواقفها، والتساؤل عن حدود التضحية، وما إذا كان لبنان قادرًا على تحمل جولات جديدة من الصراع. وهو ما يجعل البيئة الشيعية، وفق الصحيفة، أكثر انقسامًا من أي وقت مضى بين التمسك بخيار "المقاومة" والمطالبة بإعادة النظر في كلفته.