"مجموعة الأزمات الدولية": تحركات الحوثيين تعيد اليمن إلى شبح الحرب

حذرت مجموعة الأزمات الدولية من مخاطر عودة الحرب إلى اليمن، مشيرة إلى أن التحركات العسكرية والسياسية لجماعة الحوثيين، إلى جانب هشاشة التهدئة القائمة وغياب تسوية سياسية شاملة، تبقي البلاد أمام احتمال تجدد المواجهات.

ويرى التقرير أن سنوات الهدوء النسبي لم تنجح في معالجة جذور الصراع، فيما لا تزال الأطراف اليمنية والإقليمية تتحرك ضمن ترتيبات قابلة للانهيار.

وتأتي تحذيرات المجموعة في وقت لا تزال فيه جماعة الحوثيين تمثل القوة العسكرية والسياسية الأكثر تماسكاً في مناطق سيطرتها، بينما لم تتمكن القوى المناوئة لها من تجاوز انقساماتها الداخلية أو بناء إطار سياسي وعسكري موحد قادر على فرض تسوية مستقرة.

وبحسب تقرير مجموعة الأزمات الدولية، فإن تراجع حدة القتال في اليمن لا يعني انتهاء الحرب، إذ لا تزال القضايا الأساسية التي فجرت الصراع دون حل، كما أن الترتيبات القائمة لا توفر ضمانات كافية لمنع الأطراف من العودة إلى الخيار العسكري إذا تعثرت المسارات السياسية.

الحوثيون في قلب معادلة التصعيد

يركز التقرير على موقع الحوثيين في المشهد اليمني، باعتبارهم طرفاً رئيسياً في الصراع يمتلك قدرات عسكرية وسياسية واسعة. وترى المجموعة أن استمرار الجماعة في الاعتماد على القوة العسكرية وتعزيز نفوذها على الأرض يمثل أحد العوامل التي تجعل احتمالات التسوية أكثر تعقيداً.

ولا تتعامل جماعة الحوثيين مع المرحلة الحالية باعتبارها نهاية للصراع، وفق قراءة التقرير، وإنما تسعى إلى الحفاظ على مكاسبها العسكرية والسياسية وتعزيز موقعها في أي مفاوضات مستقبلية. ويعني ذلك أن أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار ميزان القوى القائم على الأرض، أو لا يعالج مطالب الأطراف المختلفة، قد يظل عرضة للانهيار.

ويحذر التقرير من أن استمرار التوتر بين الحوثيين وخصومهم يمكن أن يعيد فتح جبهات القتال، خصوصاً في ظل عدم وجود تسوية نهائية تحدد شكل الدولة اليمنية وترتيبات تقاسم السلطة والثروة والموارد.

كما أن استمرار القوة العسكرية للحوثيين يفرض تحدياً أمام أي عملية سياسية، إذ يصعب الوصول إلى اتفاق مستدام في ظل بقاء الأسلحة ومراكز النفوذ خارج إطار ترتيبات سياسية وأمنية متوافق عليها.

الهدوء لا يعني انتهاء الحرب

وتتمثل إحدى الرسائل الرئيسية للتقرير في أن اليمن لم ينتقل من الحرب إلى السلام، بل من مرحلة القتال واسع النطاق إلى مرحلة من الهدوء الهش.

وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن وقف التصعيد أو تراجع العمليات العسكرية لا يكفي وحده لإنهاء النزاع، خصوصاً مع بقاء القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية دون حلول.

ويظل خطر تجدد الحرب قائماً إذا فشلت الأطراف في تحويل التهدئة إلى اتفاق سياسي شامل، إذ يمكن لأي أزمة جديدة أو سوء تقدير عسكري أن يعيد البلاد إلى دائرة المواجهة.

ويحذر التقرير من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تراكم الضغوط بدلاً من حلها، خاصة مع استمرار الانقسام بين القوى اليمنية وتعدد مراكز النفوذ داخل البلاد.

السعودية والحوثيون

وتولي المجموعة أهمية كبيرة للعلاقة بين السعودية والحوثيين، باعتبارها واحدة من أهم مفاتيح الصراع اليمني.

فالسعودية، التي لعبت دوراً رئيسياً في الحرب خلال السنوات الماضية، لديها مصلحة واضحة في منع عودة القتال على حدودها وفي الوصول إلى ترتيبات أمنية تقلل من التهديدات القادمة من اليمن.

لكن أي تفاهم سعودي-حوثي لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب اليمنية، بحسب التقرير، لأن الصراع لا يقتصر على الطرفين.

ويضم اليمن قوى سياسية وعسكرية متعددة، لكل منها مصالحها وحساباتها، بما في ذلك الحكومة المعترف بها دولياً والقوى الجنوبية والفصائل المسلحة ومراكز النفوذ المحلية.

ومن هنا، فإن الوصول إلى اتفاق بين السعودية والحوثيين يمكن أن يساهم في خفض مستوى التصعيد، لكنه لن يكون كافياً بمفرده لبناء سلام مستدام داخل اليمن.

ملف الجنوب

وتبرز بشكل خاص القضية الجنوبية، التي تمثل أحد الملفات الأكثر تعقيداً في أي مفاوضات مقبلة، في ظل وجود قوى تطالب بترتيبات مختلفة لمستقبل جنوب اليمن.

وترى مجموعة الأزمات الدولية أن معالجة هذا الملف ضرورة لتجنب انتقال الصراع من مواجهة بين الحوثيين وخصومهم إلى صراعات داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه.

خطر العودة إلى المواجهات

وتحذر المجموعة من أن استمرار الجمود السياسي قد يدفع الأطراف إلى إعادة تقييم حساباتها واللجوء إلى القوة مجدداً.

وبالنسبة إلى الحوثيين، فإن امتلاكهم قدرات عسكرية كبيرة يمنحهم قدرة على التأثير في مسار الأحداث، لكنه في الوقت نفسه يجعل أي مواجهة جديدة أكثر خطورة على اليمن والمنطقة.

كما أن عودة القتال لن تكون بالضرورة نسخة من الحرب السابقة، إذ تغيرت موازين القوى وتطورت القدرات العسكرية للأطراف، وأصبح البعد الإقليمي أكثر وضوحاً.

وتزداد المخاطر مع ارتباط الملف اليمني بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، بما يجعل أي تصعيد داخل اليمن قابلاً للتحول إلى أزمة ذات تداعيات إقليمية ودولية.

لا سلام من دون تسوية شاملة

وترى مجموعة الأزمات الدولية أن تثبيت الهدوء يتطلب الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه.

ويشمل ذلك التوصل إلى ترتيبات سياسية تحدد شكل الحكم وتقاسم السلطة، ومعالجة القضايا الأمنية والعسكرية، والتعامل مع الانقسامات الداخلية، إضافة إلى الملفات الاقتصادية التي تمثل عاملاً أساسياً في استمرار الأزمة الإنسانية والسياسية.

ولا يمكن، وفق هذا المنظور، بناء سلام مستدام من خلال اتفاقات مؤقتة أو ترتيبات ثنائية محدودة، لأن تعدد أطراف الصراع يجعل من الضروري إشراك القوى الرئيسية في عملية سياسية أوسع.

كما أن استمرار الوضع الاقتصادي المتدهور قد يمثل عاملاً إضافياً لزعزعة الاستقرار، خصوصاً في ظل ضعف المؤسسات وانقسامها وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.

اليمن أمام فرصة هشة

ورغم لهجة التحذير، فإن التقرير يطرح ضمنياً فترة الهدوء الحالية باعتبارها فرصة يمكن استثمارها لتجنب العودة إلى الحرب.

فالهدوء يمنح الأطراف فرصة للانتقال إلى المفاوضات ومعالجة القضايا التي لم يكن من الممكن مناقشتها خلال سنوات القتال المكثف.

لكن هذه الفرصة، بحسب قراءة التقرير، ليست مفتوحة بلا نهاية، إذ يمكن أن يؤدي استمرار الجمود أو تصاعد التوتر إلى إهدارها.

ويظل الحوثيون طرفاً أساسياً في أي مسار سياسي، ما يعني أن التعامل مع الجماعة لا يمكن أن يقتصر على الضغط العسكري، بل يتطلب أيضاً إدماجها في ترتيبات سياسية وأمنية تضمن معالجة مخاوف بقية الأطراف.

وفي المقابل، فإن القوى المناوئة للحوثيين مطالبة بتجاوز خلافاتها وبناء رؤية أكثر تماسكاً لمستقبل البلاد، لأن استمرار الانقسام بينها يضعف قدرتها على التفاوض ويزيد من تعقيد عملية السلام.

شبح الحرب مجدداً

ويخلص تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن اليمن لا يزال بعيداً عن سلام مستقر، رغم تراجع مستوى العنف مقارنة بالمراحل الأكثر دموية من الحرب.

وتبقى تحركات الحوثيين وقدراتهم العسكرية، إلى جانب انقسامات خصومهم وغياب تسوية سياسية شاملة، عوامل تجعل خطر عودة المواجهات قائماً.

وبذلك، فإن التحدي الرئيسي أمام اليمن لا يتمثل فقط في منع اندلاع جولة جديدة من القتال، وإنما في تحويل الهدوء المؤقت إلى عملية سياسية قادرة على معالجة جذور الصراع.

وفي حال فشلت الأطراف في استثمار المرحلة الحالية، فإن البلاد قد تجد نفسها مجدداً أمام شبح الحرب، لكن في بيئة أكثر تعقيداً وتشابكاً، وبمخاطر تتجاوز حدود اليمن إلى أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

وتحذر المجموعة من أن استمرار إدارة الصراع بدلاً من حله قد يمنح الأطراف وقتاً لإعادة ترتيب قدراتها، لكنه لا يعالج أسباب النزاع. ولذلك، فإن تثبيت التهدئة، وفتح مسار سياسي شامل، ومعالجة الانقسامات الداخلية، تظل شروطاً أساسية لمنع عودة الحرب وتحويل الهدوء الحالي إلى سلام دائم.

Next
Next

مواطن من غزة يروي استهداف حماس للمدنيين على أساس عائلي