ما وراء الضربات الأميركية السعودية.. خريطة نفوذ الفصائل المدعومة من إيران في العراق
أعادت الضربات الأميركية والسعودية التي استهدفت جماعات مسلحة شيعية مدعومة من إيران في العراق تسليط الضوء على الدور المتنامي لهذه الفصائل داخل المشهد العراقي والإقليمي، بعدما اتهمتها واشنطن والرياض بالمسؤولية عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية.
ولا تقتصر أهمية هذه الجماعات على قدراتها العسكرية، إذ تحولت خلال العقدين الماضيين إلى قوى مؤثرة تمتد أدوارها إلى السياسة والاقتصاد والأمن، ما جعلها طرفًا أساسيًا في معادلات النفوذ داخل العراق، وفي الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
من جماعات مسلحة إلى قوى سياسية وأمنية
ظهرت الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق بصورة أكبر بعد الغزو الأميركي عام 2003 وسقوط نظام الرئيس صدام حسين، في مرحلة شهدت إعادة تشكيل كاملة للمؤسسات الأمنية والسياسية في البلاد.
ومع تراجع سلطة الدولة المركزية خلال السنوات الأولى بعد الغزو، تمكنت هذه الجماعات من بناء قدرات عسكرية بدعم مالي وتسليحي من إيران، قبل أن توسع نفوذها تدريجيًا عبر الانخراط في العملية السياسية، والحصول على مقاعد في البرلمان، والمشاركة في مؤسسات الدولة، إضافة إلى إنشاء شبكات اقتصادية واجتماعية واسعة.
وخلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بعد عام 2014، اكتسبت هذه الفصائل نفوذًا إضافيًا بعدما لعبت دورًا بارزًا في القتال، قبل أن يتم دمج العديد منها ضمن هيكل «الحشد الشعبي» الذي أصبح جزءًا رسميًا من المنظومة الأمنية العراقية.
لكن هذا الاندماج لم يُنهِ الجدل حول طبيعة العلاقة بين هذه الجماعات والدولة، إذ يرى منتقدوها أنها تحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة عن الجيش العراقي، بينما تؤكد الفصائل نفسها أنها تمثل قوة دفاعية لحماية العراق.
شبكة «المقاومة الإسلامية في العراق»
تندرج مجموعة من أبرز الفصائل المسلحة ضمن إطار يعرف باسم «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهو تحالف يضم نحو عشر جماعات مسلحة شيعية متشددة، تقدر جهات أمنية عدد مقاتليها مجتمعين بنحو 50 ألف عنصر.
وتملك هذه الفصائل ترسانة تشمل طائرات مسيرة وصواريخ بعيدة المدى وأنظمة مضادة للطائرات، ما يمنحها قدرة على تنفيذ عمليات تتجاوز الحدود العراقية.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023، أعلنت هذه الجماعات مسؤوليتها عن سلسلة هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة استهدفت القوات الأميركية في العراق وسوريا، إضافة إلى أهداف إسرائيلية، في إطار ما تصفه بأنه مواجهة للنفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة.
في المقابل، تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها أن هذه الجماعات تمثل جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمية الإيرانية، وأن تحركاتها تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
كتائب حزب الله.. القوة الأبرز
تعد «كتائب حزب الله» واحدة من أقوى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق، وتُعرف بعلاقاتها الوثيقة مع طهران.
تأسست الجماعة في منتصف العقد الأول من القرن الحالي على يد أبو مهدي المهندس، الذي قُتل عام 2020 إلى جانب قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في غارة أميركية قرب مطار بغداد.
وتقدر مصادر أميركية عدد عناصر الجماعة بما يصل إلى نحو 10 آلاف مقاتل، مع امتلاكها قدرات تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ والقذائف بعيدة المدى.
وخلال السنوات الماضية، تعرضت مواقع تابعة لها لضربات أميركية استهدفت قواعد ومراكز تدريب ومنشآت لوجستية، كما اتُهمت بتنفيذ أو المشاركة في هجمات ضد أهداف أميركية داخل العراق.
كما شاركت الجماعة إلى جانب فصائل أخرى في القتال داخل سوريا خلال الحرب الأهلية، في إطار دعمها لحلفاء إيران في المنطقة.
عصائب أهل الحق.. بين السلاح والسياسة
إلى جانب كتائب حزب الله، تعد «عصائب أهل الحق» من أبرز الفصائل المسلحة نفوذًا في العراق، بقيادة قيس الخزعلي.
برز الخزعلي بعد الغزو الأميركي، وكان أحد عناصر جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر قبل أن يؤسس جماعته الخاصة عام 2006.
وخلال الحرب ضد تنظيم الدولة، شاركت «عصائب أهل الحق» في العمليات العسكرية ضد التنظيم، قبل أن تعزز حضورها السياسي داخل العراق.
وفي السنوات الأخيرة، حاول الخزعلي تقديم صورة أكثر سياسية لجماعته، من خلال المشاركة في العملية السياسية، مع استمرار احتفاظها بجناح مسلح قوي.
ورغم مطالبته بانسحاب القوات الأميركية من العراق، فإنه لم يكن من أبرز المشاركين في الهجمات على القواعد الأميركية خلال فترة الحرب في غزة، كما شارك سياسيًا في مؤسسات الدولة العراقية.
تحدي الدولة العراقية وتوازنات المنطقة
يمثل نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران أحد أكثر الملفات تعقيدًا أمام الحكومات العراقية المتعاقبة، إذ تجد بغداد نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، وعدم الدخول في مواجهة مع فصائل تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا.
وترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن هذه الجماعات جزء من استراتيجية إيرانية أوسع لتعزيز النفوذ الإقليمي عبر وكلاء مسلحين في عدة دول، بينما تؤكد الفصائل أنها قوى مقاومة تواجه التدخلات الخارجية.
وتكشف الضربات الأميركية السعودية الأخيرة أن ملف الميليشيات العراقية لم يعد شأنًا داخليًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بصراعات إقليمية تمتد من العراق إلى الخليج وسوريا ولبنان.
وفي ظل استمرار التوتر بين إيران وخصومها، تبدو هذه الجماعات أمام مرحلة جديدة قد تشهد مزيدًا من الضغوط العسكرية والسياسية، في وقت يبقى فيه مستقبل نفوذها مرتبطًا بقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها، وبطبيعة التحولات الإقليمية المقبلة.