معهد واشنطن: الجيش اللبناني أمام اختبار حاسم.. نزع سلاح حزب الله مقابل الانسحاب الإسرائيلي

يواجه الجيش اللبناني اختبارًا حاسمًا في المرحلة المقبلة، يتمثل في قدرته على فرض سلطة الدولة وتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله"، في وقت تربط فيه إسرائيل أي انسحاب إضافي من الأراضي اللبنانية بمدى نجاح بيروت في تنفيذ التزاماتها الأمنية، وفق تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

ويرى التحليل أن الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان يمثل فرصة للخروج من الحلقة التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود، والتي تقوم على ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية، وما يترتب عليه من فراغات أمنية تسمح بالتدخل الخارجي، ثم الرد الإسرائيلي على التهديدات القادمة من لبنان، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع نفسها.

ويقوم الإطار الجديد، بحسب المعهد، على معادلة مختلفة تستند إلى "تعزيز السيادة اللبنانية وإضعاف حزب الله وصولًا إلى نزع سلاحه، مقابل الدفع باتجاه انسحاب إسرائيلي تدريجي وتحسين العلاقات بين بيروت وتل أبيب".

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

ويضع التحليل الجيش اللبناني في مركز تنفيذ الاتفاق، باعتباره الجهة التي يفترض أن تتولى مسؤولية المناطق التي كانت تخضع لنفوذ حزب الله، وأن تفكك المنشآت والقدرات العسكرية غير التابعة للدولة.

وبدأت عملية التنفيذ عبر مناطق تجريبية، انتشر فيها الجيش اللبناني بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، في محاولة لاختبار قدرة المؤسسة العسكرية على فرض الأمن ومنع إعادة بناء القدرات المسلحة للحزب.

ويشير المعهد إلى أن دخول الجيش إلى إحدى هذه المناطق وإقدام رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على رفع العلم اللبناني فيها شكلا خطوة رمزية مهمة، إلا أن حوادث أمنية لاحقة كشفت في الوقت نفسه عن وجود ثغرات في التنسيق والاتصال وآليات القيادة.

كما أن اكتشاف الجيش اللبناني مخبأ للأسلحة تابعًا لحزب الله يمثل، وفق التحليل، مؤشرًا على أن نموذج المناطق التجريبية يمكن أن يحقق نتائج، لكنه لا يزال بحاجة إلى اختبار أوسع وأكثر صعوبة.

نزع السلاح شرط إسرائيلي للانسحاب

في المقابل، تتمسك إسرائيل بأن يكون أي انسحاب إضافي مرتبطًا بإثبات قدرة الجيش اللبناني على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومنع إعادة تسليحه أو عودته إلى المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.

ويشير التحليل إلى أن إسرائيل تفضل توسيع انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي لا تتمركز فيها قواتها، على أن يأتي الانتقال إلى مراحل جديدة بعد التحقق من الأداء الفعلي للقوات اللبنانية.

وتبرز هنا معادلة أساسية: "كلما أثبت الجيش اللبناني قدرته على فرض سلطة الدولة، تراجعت الحاجة الإسرائيلية إلى تنفيذ عمليات عسكرية، وزادت فرص الانسحاب التدريجي".

لكن المعهد يحذر من أن إسرائيل ستظل، في نهاية المطاف، تعتبر نفسها الجهة القادرة على التدخل لحماية المناطق الشمالية الإسرائيلية إذا عادت التهديدات المسلحة.

بيروت بين السيادة والقدرة العسكرية

وتواجه الحكومة اللبنانية في المقابل معضلة صعبة؛ فهي تطالب بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة المدنيين النازحين وإطلاق عملية إعادة الإعمار، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى التعامل مع القدرات العسكرية لحزب الله.

ويشير التحليل إلى أن الجيش اللبناني لا يمتلك حتى الآن كل الإمكانات المطلوبة لتنفيذ هذه المهمة، خصوصًا في مجالات الاستخبارات والهندسة واللوجستيات ومراقبة الحدود، فضلًا عن حاجته إلى تحسين أوضاع عناصره وتوفير التجهيزات والأسلحة اللازمة.

لكن تقديم الدعم الدولي للجيش، بحسب المعهد، يجب ألا يكون مفتوحًا من دون شروط، بل ينبغي ربطه بتحقيق تقدم ملموس في تنفيذ أهداف الاتفاق، وعلى رأسها تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومنع إعادة تسليحه وفرض سلطة الدولة.

آلية تحقق لتجنب العودة إلى الماضي

ويبرز في الاتفاق تحدٍ آخر يتعلق بكيفية التحقق من تنفيذ الالتزامات. فالولايات المتحدة لا تريد نشر قوات أميركية على الأرض للقيام بهذه المهمة، بينما تطرح عدة دول، بينها إندونيسيا وإيطاليا وسويسرا وبريطانيا، احتمالات للمشاركة في آلية مراقبة لم تتحدد تفاصيلها النهائية بعد.

ويقترح التحليل تجنب تكرار تجربة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، معتبرًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى آلية أصغر وأكثر تحديدًا للمهام، يمكن أن تستلهم نموذج القوة متعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء.

ويشدد المعهد على أن آلية التحقق يجب أن تكون قادرة على قياس أداء الجيش اللبناني بصورة مستقلة، بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات أو مراقبة وقف إطلاق النار.

النفوذ الإيراني وإعادة الإعمار

ولا يقتصر التحدي على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، إذ يرى التحليل أن نجاح الاتفاق يتطلب الحد من النفوذ الإيراني داخل لبنان، خصوصًا عبر قنوات تهريب الأسلحة والتحويلات المالية ودعم إعادة الإعمار والمساندة العسكرية لحزب الله.

وفي هذا السياق، يمكن للسعودية والإمارات أداء دور أكبر في موازنة النفوذ الإيراني من خلال الدعم المالي والسياسي، بينما تستطيع سوريا المساهمة في الحد من تهريب الأسلحة إلى حزب الله عبر تشديد الرقابة على الحدود.

ويحذر التحليل في الوقت نفسه من أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى وسيلة لإعادة بناء نفوذ حزب الله، معتبرًا أن الجهة التي ستقود إعادة إعمار لبنان ستملك قدرًا كبيرًا من التأثير السياسي داخله.

الدور الأميركي الحاسم

ويخلص التحليل إلى أن الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد القادر على تنسيق الأبعاد السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية للاتفاق، خصوصًا في ظل تضارب مواقف الأطراف الدولية بشأن طبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه في لبنان.

ويرى معهد واشنطن أن تنفيذ الاتفاق يجب أن يستمر تدريجيًا عبر توسيع نموذج المناطق التجريبية، على أن تكون كل مرحلة مشروطة بأداء الجيش اللبناني ووجود آلية تحقق موثوقة.

وبذلك، تصبح قدرة الجيش اللبناني على فرض سلطة الدولة ونزع سلاح حزب الله "العنصر الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي"، فإذا نجحت بيروت في إثبات قدرتها على تولي المسؤولية الأمنية، يصبح الانسحاب الإسرائيلي أكثر قابلية للتحقق، أما إذا فشلت في منع إعادة بناء قدرات حزب الله، فقد تجد إسرائيل مبررات للاستمرار في عملياتها العسكرية، بما يعيد البلدين إلى الحلقة نفسها التي يسعى الاتفاق الجديد إلى كسرها.

Next
Next

الكاردينال مار بشارة الراعي يشكر ملك الأردن لموافقته على بناء الكنيسة المارونية بموقع المغطس