بعيدا عن مضيق هرمز.. الإمارات ترسم طريقاً أمنا لإمدادات الطاقة
تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تنفيذ استراتيجية طموحة تهدف إلى تقليص اعتمادها على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وذلك من خلال تطوير شبكة متكاملة من الموانئ وخطوط الأنابيب والبنية التحتية اللوجستية على ساحل خليج عُمان. وتأتي هذه الخطط في أعقاب التداعيات التي خلفتها الحرب الإيرانية وما رافقها من إغلاق للمضيق لفترة مؤقتة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بشأن أمن إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
وكشف وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية، ثاني الزيودي، أن بلاده تتجه نحو تحقيق ما وصفه بـ"صفر اعتماد على مضيق هرمز"، مؤكداً أن الإمارات ستواصل تنفيذ خططها الاستراتيجية سواء أعيد فتح المضيق بالكامل أم لا. ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة لدى صناع القرار في أبوظبي بضرورة بناء بدائل مستدامة تضمن استمرار تدفق النفط والغاز والبضائع إلى الأسواق العالمية دون تأثر بالأزمات الجيوسياسية.
وتقوم الخطة الإماراتية على توسيع قدرات موانئ الفجيرة وخورفكان ودبا الواقعة على ساحل خليج عُمان خارج نطاق مضيق هرمز، إضافة إلى إنشاء ميناء جديد على الساحل الشرقي. كما تشمل استثمارات ضخمة في شبكات النقل والطرق والسكك الحديدية لربط هذه الموانئ بالحقول النفطية ومراكز الإنتاج الصناعي داخل الدولة.
وتحظى الفجيرة بأهمية خاصة في هذه الاستراتيجية، إذ أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزاً رئيسياً لتصدير النفط وتخزينه، مستفيدة من موقعها خارج المضيق. وقد أثبت خط الأنابيب القائم، الذي يربط حقول النفط في أبوظبي بميناء الفجيرة بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، أهميته خلال فترات التوتر، حيث ساهم في استمرار تدفق الصادرات النفطية رغم القيود التي شهدتها الملاحة في المنطقة.
وفي إطار تعزيز هذه القدرات، تعمل الإمارات على تسريع تنفيذ خط أنابيب ثانٍ لمضاعفة الطاقة التصديرية عبر الفجيرة، بينما تدرس إنشاء خط أنابيب ثالث يهدف إلى نقل النفط الخام والمنتجات البترولية والبتروكيماويات والغاز الطبيعي المسال. ومن المتوقع أن تتطلب هذه المشاريع استثمارات بمليارات الدولارات، لكنها تمثل في الوقت نفسه استثماراً طويل الأجل في أمن الطاقة العالمي.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على خدمة الاقتصاد الإماراتي فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الدولي بأكمله. فقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان نحو 20% من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ما جعله نقطة اختناق استراتيجية يمكن لأي اضطراب فيها أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة معدلات التضخم وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.
ومن خلال توفير مسارات تصدير بديلة خارج المضيق، ستساهم الإمارات في تقليل المخاطر المرتبطة بتركز حركة الطاقة العالمية في ممر واحد. كما ستمنح الأسواق الدولية قدراً أكبر من الاستقرار والمرونة في مواجهة الأزمات السياسية أو العسكرية التي قد تشهدها المنطقة مستقبلاً.
ومن أبرز الفوائد التي يمكن أن يجنيها العالم من هذه المشاريع تعزيز أمن الطاقة العالمي. فكلما زادت خيارات التصدير والنقل، تراجعت احتمالات حدوث صدمات مفاجئة في الأسواق الدولية. وهذا الأمر يكتسب أهمية متزايدة في ظل استمرار اعتماد العديد من الاقتصادات الكبرى، خصوصاً في آسيا وأوروبا، على واردات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج.
كذلك من المتوقع أن تدعم الخطة الإماراتية استقرار أسعار الطاقة عالمياً. فعندما تتوفر بنية تحتية بديلة وقادرة على استيعاب كميات كبيرة من الصادرات النفطية، تقل المخاوف بشأن نقص الإمدادات، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسعار الوقود والكهرباء وتكاليف الإنتاج الصناعي والنقل حول العالم.
وإلى جانب قطاع الطاقة، ستوفر الموانئ الجديدة وشبكات النقل الحديثة فرصاً لتعزيز التجارة الدولية. فالموانئ الواقعة على خليج عُمان يمكن أن تتحول إلى مراكز لوجستية عالمية تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ما يسهم في تسريع حركة البضائع وتقليل مخاطر تعطل سلاسل التوريد التي عانى منها العالم خلال السنوات الماضية.
كما ستعزز هذه المشاريع من مرونة الاقتصاد العالمي في مواجهة الأزمات. فقد أظهرت التجارب الحديثة أن الاعتماد على مسار واحد أو مركز لوجستي واحد يجعل التجارة الدولية أكثر عرضة للاضطرابات. أما تنويع المنافذ والممرات التجارية فيوفر بدائل جاهزة تضمن استمرار تدفق السلع والمواد الخام حتى في أوقات التوتر.
ورغم التحديات المرتبطة بتكاليف إنشاء خطوط الأنابيب والموانئ وشبكات النقل الجديدة، فإن الإمارات ترى في هذه الاستثمارات ضرورة استراتيجية وليست مجرد مشاريع اقتصادية. فالتطورات الأخيرة كشفت نقاط الضعف التي يمكن أن تؤثر في حركة التجارة والطاقة العالمية، ما دفع أبوظبي إلى تبني رؤية طويلة الأمد تقوم على تعزيز المرونة والاستعداد للمستقبل.
وفي المحصلة، لا تمثل خطة الإمارات للتقليل من الاعتماد على مضيق هرمز مشروعاً وطنياً فحسب، بل مبادرة ذات أبعاد دولية يمكن أن تسهم في تعزيز أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية وحماية سلاسل الإمداد من الاضطرابات. ومع استمرار تنفيذ هذه المشاريع، قد تتحول الإمارات إلى نموذج عالمي في بناء البنية التحتية القادرة على مواجهة التحديات الجيوسياسية وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة إلى مختلف أنحاء العالم.