الحوثيون في أفريقيا.. شبكات جديدة لتهديد أمن البحر الأحمر
لا تبدو محاولات جماعة الحوثيين توسيع حضورها خارج اليمن مقتصرة على خطوط التهريب ونقل الأسلحة، إذ تشير دراسة بحثية حديثة إلى مساعٍ لبناء شبكة علاقات مع جماعات مسلحة وشبكات محلية على امتداد القرن الأفريقي وسواحل خليج عدن والبحر الأحمر، في خطوة قد تمنح الجماعة خيارات جديدة لتعزيز نفوذها وتهديد الملاحة الإقليمية والدولية.
وخلص تقرير أعده بيتر سالزبوري وندوى الدوساري وجاي بهادور لصالح "مؤسسة القرن"، ونشر في 24 أغسطس الجاري، إلى أن الحوثيين يحاولون التحول من طرف داخل منظومة "محور المقاومة" المرتبطة بإيران إلى مركز جديد يمكنه المساهمة في توسيع هذه الشبكة في المنطقة.
ويستند التقرير إلى نحو 100 مقابلة مع خبراء ومصادر سرية، إلى جانب تحليل وثائق وبيانات عن عمليات اعتراض برية وبحرية، وإحصاءات الموانئ، وصور الأقمار الاصطناعية، وبيانات حركة السفن، وبيانات الاتصالات. إلا أن الباحثين يشددون على أن قوة الأدلة تختلف من حالة إلى أخرى، وأن بعض المعلومات المتعلقة بعلاقات الحوثيين في أفريقيا تستند إلى مصادر لديها دوافع معادية للجماعة.
من التهريب إلى بناء شبكة إقليمية
بحسب التقرير، بدأ انخراط الحوثيين مع أطراف أفريقية قبل أكثر من عقد بصورة متفرقة وبراغماتية، وارتبط في بداياته بمحاولات الالتفاف على حظر الأسلحة ومكافحة عمليات التهريب.
لكن هذه الاتصالات تطورت تدريجياً إلى مشروع أكثر اتساعاً، إذ تشير الأدلة التي جمعها الباحثون إلى وجود نواة من العناصر الحوثية في صنعاء تعمل على توسيع العلاقات مع جماعات مسلحة وشبكات محلية في دول الجوار الأفريقي.
ويقول التقرير إن الحوثيين يسعون إلى إقامة علاقات مع أطراف لا تتطابق معهم بالضرورة في الفكر أو الدين أو اللغة أو المظالم السياسية، لكن الجماعة تراهن على المصالح المشتركة لتوسيع نفوذها وزيادة قدرتها على الصمود أمام الضغوط والعقوبات وعمليات اعتراض شحنات الأسلحة.
ومن بين الأطراف التي يوردها التقرير حركة "الشباب" الصومالية، وفصائل داخل القوات المسلحة السودانية، إلى جانب مجموعات وقبائل مهمشة في منطقة القرن الأفريقي.
"الشباب".. بوابة إلى الصومال
يقدم التقرير واقعة اعتقال السلطات الأمنية في مدينة المكلا اليمنية، خلال خريف 2024، رجلاً صومالياً يدعى أحمد علمي سمتر، باعتبارها إحدى أبرز المؤشرات على طبيعة العلاقات التي يسعى الحوثيون إلى بنائها في أفريقيا.
وبحسب إفادته أثناء التحقيق، عمل سمتر وسيطاً بين الحوثيين وحركة "الشباب"، وسهّل خلال عام 2024 سفر ما يصل إلى 400 صومالي للمشاركة في برامج تدريب عسكرية وأيديولوجية في معسكرات حوثية باليمن.
كما ساعد، وفق التقرير، مهندسين حوثيين على السفر إلى مدينة جيليب، التي تعد مركزاً مهماً في المناطق الخاضعة لسيطرة "الشباب" في الصومال.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة بسبب التباين الأيديولوجي بين الحوثيين و"الشباب"، إذ ينتمي الطرفان إلى بيئات دينية وسياسية مختلفة، لكن المصالح الأمنية واللوجستية قد تتيح، وفق الباحثين، بناء قنوات تعاون تتجاوز هذه الاختلافات.
السودان وإريتريا.. توسيع المجال في البحر الأحمر
لا تقتصر تحركات الحوثيين على القرن الأفريقي، إذ يتحدث التقرير عن علاقات مع فصائل إسلامية داخل القوات المسلحة السودانية، بالتزامن مع عودة إيران إلى توسيع علاقاتها في السودان وإريتريا.
ويرى الباحثون أن عودة الحرس الثوري الإيراني إلى المنطقة يمكن أن توفر بيئة أكثر ملاءمة لتطوير الروابط بين الحوثيين والجماعات المسلحة الأفريقية، بما يزيد فرص انتقال الخبرات والقدرات العسكرية إليها مستقبلاً.
وفي إريتريا، تورد الدراسة مزاعم من مصادر يمنية وإقليمية تفيد بأن الحوثيين يعملون على إعادة بناء وجود لهم في البلاد بدعم إيراني، بعد أن توقفت أو تراجعت علاقات سابقة في أعقاب التحولات الإقليمية التي شهدها منتصف العقد الماضي.
وإذا صحت هذه المزاعم، فإن ذلك يعني امتداداً لوجستياً محتملاً للحوثيين على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر وخليج عدن، من شمال شرقي الصومال وصولاً إلى شمال السودان.
دهلك.. مزاعم تهريب لم تثبتها الأدلة
وتبرز جزر دهلك الإريترية في التقرير باعتبارها إحدى النقاط التي وردت بشأنها مزاعم باستخدامها في تهريب أسلحة إيرانية إلى اليمن.
وبحسب المصادر التي أوردها التقرير، يجري نقل الأسلحة بين سفن في محيط الأرخبيل قبل إرسالها إلى اليمن. غير أن الباحثين أبدوا حذراً واضحاً إزاء هذه الرواية، بعدما أجروا تحقيقاً باستخدام صور الأقمار الاصطناعية وبيانات أنظمة التعرف الآلي للسفن.
وأظهرت عملية البحث، وفق التقرير، نشاطاً محدوداً أو معدوماً في مواقع التهريب التي جرى تحديدها في منطقة دهلك، ما يعني أن الادعاءات بشأن وجود مركز نشط لتهريب الأسلحة هناك لم تصل إلى مستوى الإثبات القاطع.
وهذه النقطة تعكس طبيعة المعلومات المتوافرة عن نشاط الحوثيين في البيئات المغلقة في القرن الأفريقي، حيث يصعب التحقق بصورة مستقلة من كثير من الادعاءات المتعلقة بالشبكات السرية.
نموذج "محور المقاومة"
يربط التقرير توسع الحوثيين في أفريقيا بالمسار الذي اتبعته إيران و"حزب الله" منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي في بناء شبكة من الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط.
وبحسب الدراسة، عمل الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله" على تطوير قدرات الجماعات الحليفة تدريجياً، بدءاً من التدريب على تكتيكات حرب العصابات، مروراً باستخدام أسلحة إيرانية متطورة، وصولاً في بعض الحالات إلى تصنيع الأسلحة محلياً وتطوير قدرات مستقلة.
ويرى الباحثون أن الحوثيين قطعوا بالفعل مراحل متقدمة من هذا المسار، إذ تحولوا من متلقين للأسلحة الإيرانية إلى منتجين لجزء من منظومتهم العسكرية، وبدأوا بدورهم في بناء علاقات مع أطراف مسلحة خارج اليمن.
ومن هنا تأتي أهمية وصف الدراسة للحوثيين بأنهم ينتقلون من مجرد "طرف" داخل شبكة "محور المقاومة" إلى "مركز" محتمل لتوسيع المنظومة في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن.
خطر انتقال القدرات العسكرية
رغم ذلك، يؤكد التقرير أن هناك فارقاً بين بناء العلاقات وبين امتلاك الجماعات الأفريقية للقدرات العسكرية التي جعلت الحوثيين قوة مؤثرة في المنطقة.
فلا توجد، وفق الدراسة، أدلة كافية حتى الآن على انتقال الطائرات المسيرة أو الصواريخ أو أنظمة الدفاع الجوي أو تقنيات تصنيع الأسلحة الحوثية إلى الجماعات غير الحكومية التي تسعى الجماعة إلى بناء علاقات معها.
لكن الباحثين يحذرون من أن عمليات نقل القدرات قد لا تصبح واضحة إلا بعد حدوثها، ولذلك فإن استمرار التواصل والتدريب قد يهيئ الظروف لانتقال الخبرات والتكنولوجيا في المستقبل.
وفي حال تحقق ذلك، فقد تحصل جماعات مسلحة تنشط في مناطق مضطربة من القرن الأفريقي على قدرات إضافية لتهديد دول المنطقة أو طرق التجارة الدولية، وهو ما سيضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى منطقة تعاني أصلاً من النزاعات والتهريب والتنافس الإقليمي.
## البحر الأحمر في قلب الحسابات
تكمن أهمية التحرك الحوثي في أفريقيا في الموقع الجغرافي الذي يستهدفه. فالقرن الأفريقي والساحل الأفريقي للبحر الأحمر يشكلان الامتداد المقابل للساحل اليمني الذي يسيطر الحوثيون على أجزاء واسعة منه.
وبناء روابط على جانبي البحر يمكن أن يوفر للجماعة خيارات إضافية في نقل الأفراد والمعدات وبناء شبكات التهريب وتبادل المعلومات، كما يمكن أن يمنحها قدرة أكبر على المناورة أمام عمليات الحظر والاعتراض.
ويأتي ذلك في منطقة تمر عبرها طرق تجارية وبحرية حيوية، ما يجعل أي توسع في شبكات الجماعات المسلحة أو تهريب الأسلحة مصدر قلق يتجاوز حدود اليمن والصومال والسودان وإريتريا.
فرصة لاحتواء التوسع
يخلص التقرير إلى أن العلاقات التي يبنيها الحوثيون في أفريقيا لا تزال في مراحلها الأولى، وأن كثيراً منها يقوم على صفقات ومصالح محدودة يمكن تعطيلها قبل أن تتحول إلى تحالفات أكثر رسوخاً.
ويرى الباحثون أن هذه المرحلة تمثل أفضل فرصة للتدخل، لأن كلفة تفكيك العلاقات تكون أقل عندما تكون في بدايتها، بينما تصبح أكثر صعوبة بعد انتقال الخبرات والتكنولوجيا وارتباط الجماعات المحلية بالحوثيين بصورة أعمق.
وبذلك، لا تتمثل القضية فقط في منع وصول شحنة أسلحة إلى اليمن، وإنما في "منع تشكل شبكة إقليمية جديدة" تمتد عبر خليج عدن والبحر الأحمر وتربط جماعة الحوثيين بجماعات مسلحة وشبكات تهريب في الجانب الأفريقي.
وتشير المعطيات التي عرضها التقرير إلى أن الحوثيين بدأوا بالفعل في اختبار هذه المساحة، وأن نجاحهم في تحويل الاتصالات المتفرقة إلى شبكة مستقرة سيمنحهم عمقاً جغرافياً جديداً ويزيد قدرتهم على مواجهة الضغوط وتهديد الملاحة والتأثير في أمن المنطقة.
لكن التقرير في الوقت نفسه لا يقدم دليلاً على أن هذه الشبكة اكتملت أو أن الحوثيين نجحوا بالفعل في نقل قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة إلى شركائهم المحتملين. ويبقى التطور الأخطر، وفق هذا المنظور، هو "تحول العلاقات الحالية من تعاون محدود ومصلحي إلى شراكات عسكرية وتقنية طويلة الأمد".