هل تنهي واشنطن هدنتها مع الحوثيين بعد استهداف مطار الرياض؟

أعاد الهجوم الصاروخي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض، وأسفر عن مقتل 12 شخصًا، بينهم أميركي، خلط الأوراق أمام الرئيس دونالد ترامب، واضعًا استراتيجيته للتعامل مع الصراعين في إيران واليمن أمام اختبار جديد، في وقت يسعى فيه إلى احتواء التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الشهر المقبل.

وترى صحيفة "الغارديان" البريطانية أن الهجوم يثير تساؤلات بشأن قدرة السعودية على حماية نفسها من هجمات الحوثيين، ومدى استعداد واشنطن لمواصلة الابتعاد عن المواجهة المباشرة معهم، خصوصًا أن الإدارة الأميركية أبقت على هدنة أحادية الجانب مع الجماعة منذ عام 2025، وجددتها بهدوء بعد استئناف الأعمال العدائية بين الرياض والحوثيين خلال الصيف، رغم طلبات سعودية سابقة للحصول على مساعدة أميركية.

هجوم الرياض يربك حسابات ترامب

وبحسب تحليل الصحيفة، جاء الهجوم في وقت كان ترامب قد كشف فيه عن توجه يرمي إلى احتواء التداعيات السياسية للحرب مع إيران وتأثيراتها في اليمن، وتأجيل التعامل مع أزماتها إلى ما بعد الانتخابات النصفية، مع التركيز على الحد من ارتفاع أسعار الوقود وتداعياته على الناخبين الأميركيين.

وفي هذا السياق، ألقى الرئيس الأميركي باللوم على الهجمات الأوكرانية التي تستهدف مصافي النفط الروسية في ارتفاع أسعار الديزل، متجهًا إلى تخفيف القيود المفروضة على الوقود الروسي، في مسعى لزيادة المعروض وتهدئة الأسواق. كما أكد أن الحصار الإيراني في مضيق هرمز قد كُسر فعليًا، مستندًا إلى أرقام بشأن صادرات النفط اليومية، فيما استبعد إمكانية التفاوض مع طهران بسبب ما وصفه بغياب قيادة موحدة فيها.

لكن الهجوم على الرياض، وفق "الغارديان"، يهدد بإفشال هذه الحسابات، إذ يصعب على واشنطن ترك السعودية تواجه وحدها تداعيات الهجمات الصاروخية التي تنطلق من مسافات بعيدة وتصل إلى أهدافها بصورة متكررة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فاعلية الدفاعات السعودية، وحجم الدعم الذي يتعين على الولايات المتحدة تقديمه لحليفها الخليجي.

وتزداد الضغوط على ترامب، بحسب التحليل، بسبب سقوط قتيل أميركي في الهجوم، مع احتمال وجود أميركيين آخرين بين المصابين بجروح خطيرة، الأمر الذي قد يجعل استمرار واشنطن في تجنب المواجهة مع الحوثيين أكثر صعوبة، في ظل التوقعات بأن تساند الولايات المتحدة حلفاءها عند تعرضهم لهجمات دامية.

هل تعود واشنطن إلى المواجهة مع الحوثيين؟

يضع الهجوم الإدارة الأميركية أمام تساؤل بشأن مصير الهدنة مع الحوثيين، وإمكانية العودة إلى العمليات العسكرية ضد الجماعة التي تتهمها واشنطن بتهديد أمن المنطقة والملاحة البحرية.

ويشير تحليل "الغارديان" إلى أن ترامب رفض مرتين طلبات سعودية للمساعدة، ما يجعل موقفه أكثر تعقيدًا بعد الهجوم الأخير. فاستمرار الابتعاد عن المواجهة قد يثير تساؤلات بشأن التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها، بينما قد تؤدي العودة إلى العمليات العسكرية إلى استنزاف الموارد الأميركية وتوسيع نطاق الصراع.

ولا يقتصر الخيار العسكري على استئناف الضربات ضد الحوثيين، إذ يرى بعض مستشاري ترامب أن توجيه ضربات إلى إيران، التي تعد داعمًا رئيسيًا للجماعة، قد يكون خيارًا مطروحًا أيضًا. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر تصعيد إقليمي أوسع، في وقت لا تزال فيه القدرات العسكرية الإيرانية قادرة على تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية في الخليج.

ويلفت التحليل إلى أن الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب ضد إيران كلفت الولايات المتحدة نحو مليار دولار يوميًا، وهو ما يعكس حجم الأعباء المالية التي قد تترتب على توسيع العمليات العسكرية أو استئنافها على جبهات إضافية.

وفي المقابل، يظل التفاوض غير المباشر مع طهران خيارًا آخر أمام الإدارة الأميركية، إذ يشير التقرير إلى وجود مسار اتصالات يجري في الدوحة، مع دعوات داخل إيران إلى استغلال ما يُنظر إليه باعتباره تراجعًا في هامش المناورة السياسية المتاح لترامب قبل الانتخابات الأميركية.

لكن أي اتفاق محتمل، بما في ذلك ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، قد يواجه اعتراضات أميركية وإسرائيلية، فضلًا عن تعقيدات الملف اليمني وتشابك أطرافه الإقليمية والمحلية.

أسعار الطاقة تضاعف الضغوط على البيت الأبيض

وبالتوازي مع التحديات الأمنية، تواجه استراتيجية ترامب انتقادات بشأن محاولته ربط ارتفاع أسعار الوقود بالهجمات الأوكرانية على منشآت النفط الروسية، بدلًا من تداعيات الحرب مع إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

وترى "الغارديان" أن زيادة صادرات النفط الروسي لن تكون كافية لتعويض النقص في إمدادات الديزل أو خفض الأسعار بصورة ملموسة، مشيرة إلى أن روسيا كانت تمثل نحو 12% من تجارة الديزل المنقولة بحرًا عالميًا، وأن صادراتها تراجعت بنحو الثلث، وفق حسابات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف.

كما أثار التوجه الأميركي لتخفيف العقوبات على الوقود الروسي مخاوف أوروبية بشأن علاقة ترامب بموسكو، خصوصًا بعد أسابيع من إقرار الكونغرس حزمة عقوبات تستهدف روسيا وتتيح للرئيس معاقبة مشتري الطاقة الروسية.

ونقل التحليل انتقادات لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، الذي وصف تحميل أوكرانيا مسؤولية ارتفاع الأسعار بأنه أمر غير منطقي، معتبرًا أن إغلاق مضيق هرمز هو السبب الواضح وراء ارتفاعها، كما نقل عن وزيرة التعليم الألمانية كارين بريين انتقادها تخفيف العقوبات الروسية مقابل خفض محدود في أسعار الديزل.

وتكشف هذه المواقف عن اتساع الخلاف بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين بشأن التعامل مع موسكو، في وقت تستعد فيه دول أوروبية للدفع نحو تشديد العقوبات على روسيا ومواصلة دعم أوكرانيا.

تداعيات الحرب تهدد حسابات الجمهوريين الانتخابية

ولا تنفصل هذه التطورات عن الحسابات الداخلية الأميركية، إذ يرى تحليل "الغارديان" أن الحرب مع إيران تحولت إلى عبء سياسي على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، مع تركيز مرشحي الحزب الديمقراطي على ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب الاقتصادية خلال المناظرات الانتخابية.

وفي المقابل، يواجه مرشحو الحزب الجمهوري ضغوطًا متزايدة للدفاع عن الحرب أو توضيح موقفهم منها، ما يدفع بعضهم، بحسب الصحيفة، إلى التركيز على قضايا الهوية السياسية بدلًا من الخوض في كلفة المواجهة العسكرية.

وتزداد صعوبة موقف ترامب مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، حيث تشير الصحيفة إلى انتشار مشاهد ناقلات النفط المشتعلة، بما يناقض الرواية الأميركية بشأن انحسار فاعلية الحصار الإيراني. ومن شأن استمرار اضطراب الإمدادات أن يفاقم الضغوط على أسعار الطاقة، ويضعف قدرة الإدارة على إقناع الناخبين بأن الحرب لن تترك آثارًا اقتصادية ممتدة.

اليمن.. الانتقام لا ينهي الحرب

وفيما يتعلق بالمسار اليمني، يشير التحليل إلى أن التعامل مع الحوثيين لا يمكن اختزاله في الرد العسكري على الهجمات، في ظل تعقيدات المشهد الداخلي والانقسامات في جنوب البلاد، التي تؤثر في قدرة القوى المناهضة للجماعة على تشكيل جبهة برية متماسكة تدعم التحركات العسكرية السعودية.

كما تواجه مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، صعوبات في تجاوز الحصار المفروض عليها من الحوثيين، فيما تعمل الصين وروسيا على الدفع نحو تسوية دبلوماسية مع الجماعة، رغم اتساع أهدافها وتعدد الملفات المرتبطة بالصراع.

وترى "الغارديان" أن السعودية قد تكون قادرة على تنفيذ ضربات انتقامية، لكن الرد العسكري وحده لا يشكل حلًا لحرب أهلية مستمرة منذ نحو عقد، ولا يعالج الانقسامات السياسية والعسكرية التي تعرقل الوصول إلى تسوية مستقرة.

وفي المحصلة، يضع الهجوم على مطار الرياض ترامب أمام معادلة صعبة: إما إنهاء الهدنة مع الحوثيين والعودة إلى المواجهة العسكرية، بما تحمله من تكاليف ومخاطر التصعيد، أو مواصلة تجنب الحرب والبحث عن مسارات تفاوضية، مع احتمال تعرض التزامات واشنطن الأمنية تجاه حلفائها لمزيد من التساؤلات.

وبحسب خلاصة التحليل، تبدو استراتيجية ترامب القائمة على احتواء صراعي إيران واليمن مؤقتًا، وتحميل زيلينسكي مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة، مهددة بالاستمرار، وسط تساؤل بشأن ما إذا كان الرئيس الأميركي سيعدل مساره بنفسه، أم ستفرض عليه صناديق الاقتراع ثمن خياراته السياسية والعسكرية.

Next
Next

الكاتبة السياسية اللبنانية إليسا الهاشم: لبنان بين خيارين السلام مع إسرائيل أو العزلة