"لعبة العروش" الإيرانية.. كيف صعد مجتبى خامنئي إلى كرسي المرشد؟

جاء صعود مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى لإيران، في وقت حرجة للبلاد التي تخوض حربامع الولايات المتحدة وإسرائيل، فعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو للبعض أنه كان مسارًا طبيعيًا ومحدّدًا مسبقًا، فإن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

وقالت جريدة "ذا نيويورك تايمز"، في تقرير حديث، إن إيران شهدت صراعًا سياسيًا وعسكريًا شرسًا داخليًا، مليئات بالتعقيدات والمناورات والضغوط، أفضى في النهاية لحصول مجتبى على الأغلبية في الجمعية الخاصة بالخبراء، التي تمنح الحق الدستوري لتعيين المرشد.

صراع الخلافة: سياق تاريخي وسياسي

وبعد وفاة علي خامنئي في 28 فبراير 2026 إثر ضربة جوية إسرائيلية، بدأت إيران مواجهة أزمة خلافة غير مسبوقة، فالمجلس الأعلى للخبراء، المكوّن من 88 عالم دين، كان مطالبًا باختيار خليفة يمتلك السلطة الدينية والسياسية والعسكرية في آن واحد.

وكان واضحًا أن إيران ليست في وقت عادي، إذ تتعرض لضغوط عسكرية هائلة، مع ضربات جوية متكررة على مؤسسات الدولة، بما في ذلك مقر المجلس في مدينة قُم، ما أسفر عن سقوط قتلى في صفوف الموظفين الإداريين والمساعدين.

عملية اختيار المرشد لم تكن مجرد مسألة بروتوكولية، بل تحولت إلى صراع حقيقي بين جناحين متنافسين: جناح المتشددين بقيادة الحرس الثوري، وجناح المعتدلين المدعومين من شخصيات سياسية داخلية كانت تسعى إلى تجديد القيادة وإعادة صياغة السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية. الجناح المتشدد رأى في صعود مجتبى ضمانة لاستمرار السياسات القائمة، وتعزيز الرد على الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، بينما اعتقد المعتدلون أن إيران بحاجة إلى قيادة جديدة، أكثر مرونة، تستطيع تهدئة التوترات مع الولايات المتحدة والغرب.

التحالفات والدعم العسكري

وفقًا لتقارير "ذا نيويورك تايمز"، كان لمجتبى خامنئي حلفاء أقوياء داخل الحرس الثوري، أبرزهم الجنرال أحمد وحيدي، القائد الأعلى للحرس الثوري، والجنرال محمد علي عزيز جفّاري، والمستشار البرلماني محمد باقر قاليباف، الذين رأوا في دعم مجتبى استمرارًا للنهج السياسي والعسكري لوالده. كما لعب حسين تائب، رئيس الاستخبارات السابق في الحرس الثوري، دورًا رئيسيًا في تعبئة الدعم الداخلي، معتبرًا أن انتخاب مجتبى يشكل واجبًا دينيًا وأيديولوجيًا.

على الجانب الآخر، واجه مجتبى معارضة من شخصيات معتدلة، أبرزها علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي رأى أن البلاد بحاجة إلى قائد يوحّد الشعب بدلاً من أن يكون شخصية مثيرة للانقسام. وضم المعسكر المعتدل أيضًا الرئيس المعتدل مسعود بيزشكيان، وحسن روحاني، الرئيس السابق وعضو الفريق الذي تفاوض على الاتفاق النووي لعام 2015، بالإضافة إلى حسن خمينئي، حفيد مؤسس الجمهورية، الذي كان يمثل خيارًا إصلاحيًا لإعادة توازن السلطة.

الاجتماعات السرية والتصويت الأول

في 3 مارس 2026، عقدت الجمعية الخاصة بالخبراء اجتماعًا سريًا لمناقشة اختيار القائد الأعلى، بعد استهداف مقرهم في قُم من قبل إسرائيل. أُجريت بعض الجلسات عبر الإنترنت لضمان سلامة أعضاء المجلس. وبالرغم من التهديدات، أظهر التصويت الأول أن جناح المتشددين قد كسب الأغلبية اللازمة، حيث حصل مجتبى على نسبة كبيرة من الأصوات، ما مهد الطريق لإعلانه كخليفة محتمل. لكن الإعلان الرسمي تأجل بسبب مخاوف أمنية، وبسبب تهديدات مباشرة من الرئيس الأمريكي آنذاك وقيادات إسرائيلية.

خلال هذه الفترة، حاول المعسكر المعتدل استغلال التأجيل للضغط على الجمعية لإعادة النظر في اختيار مجتبى، مستندًا إلى رغبة والده السابقة بعدم توريث المنصب للابن. إذ أكد مساعدو علي خامنئي أن الأخير كان قد حظر أي شكل من أشكال الوراثة في اختيار القائد الأعلى، معتبرًا أن ذلك يتعارض مع جوهر الثورة الإسلامية لعام 1979. ورغم ذلك، لم ينجح المعتدلون في إقناع الأغلبية داخل الجمعية.

الحرب الداخلية والمواجهة مع المعتدلين

بين 6 و7 مارس، استمرت الضغوط والتلاعب السياسي داخل الجمعية. فقد أعلن الرئيس بيزشكيان، كجزء من مجلس انتقالي مؤقت، التهدئة مع بعض الدول العربية، ما أثار غضب الجنرالات المتشددين الذين كانوا يطالبون بإعلان مجتبى رسميًا. لعبت شخصيات بارزة مثل الجنرال وحيدي والجنرال جفّاري دورًا فعالًا في توجيه الجمعية نحو التصويت النهائي لمصلحة مجتبى، معتبرين أن ذلك واجب ديني وأيديولوجي لضمان استمرار الجمهورية في مواجهة الضغوط الخارجية.

وبينما حاول بعض المعتدلين التشكيك في التصويت الافتراضي، معتبرين أنه غير قانوني وفقًا للدستور الذي يفرض حضور الأعضاء شخصيًا، اعتمد المتشددون على قواعد الطوارئ الحربية لتأكيد شرعية التصويت عبر الإنترنت، وأكدوا أن المجريات تسمح بتطبيق هذا التصويت في ظل الظروف الاستثنائية.

التصويت النهائي وإعلان القيادة

في 8 مارس، عُقد التصويت النهائي للجمعية، حيث تم إرسال الأوراق المختومة إلى لجنة العد والتحقق. حصل مجتبى خامنئي على 59 صوتًا من أصل 88، أي الأغلبية المطلوبة لتولي المنصب بشكل رسمي، على الرغم من أنها لم تكن إجماعًا كاملًا. وبعد ذلك، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية في إيران عن توليه رسميًا للقيادة العليا، مع إعلان ولاء وتهاني من مختلف الشخصيات الإيرانية، حتى من الذين حاولوا في البداية عرقلته.

أغلب المراقبين، وفق "ذا نيويورك تايمز"، يرون أن هذه الخطوة تعكس تماسكًا داخليًا مؤقتًا في مواجهة التحديات الخارجية، لكنها أيضًا تظهر سيطرة جناح المتشددين والحرس الثوري على القرار السياسي والعسكري في إيران. كما أنها تكشف هشاشة النظام أمام الضغوط الخارجية، وحاجة إيران لاتخاذ قرارات حاسمة في وقت حرج.

استنتاجات وتداعيات مستقبلية

صعود مجتبى خامنئي يمثل انتصارًا للمتشددين على المعتدلين، ويؤكد الدور المحوري للحرس الثوري في تحديد مجريات السلطة داخل إيران. كما أن العملية برمتها تكشف عن تعقيدات السياسة الإيرانية الداخلية، حيث تتقاطع المصالح الدينية والعسكرية والسياسية في لحظات حرجة. هذا الصعود يأتي في وقت يشهد فيه البلد حربًا مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يزيد من تعقيد القرارات ويجعلها مرتبطة بالأمن القومي والسيادة الوطنية.

المراقبون يحذرون من أن تولي مجتبى خامنئي قد يؤدي إلى تشدّد السياسات الداخلية والخارجية، ويزيد من حدة العداء مع الولايات المتحدة والغرب. وفي الوقت ذاته، تظهر إيران بشكل أقوى من خلال تماسك المؤسسة الحاكمة، وهو ما يمنحها قدرة على الصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية، ولكن على حساب الانقسام الداخلي والتوترات بين جناحي السلطة.

Next
Next

الفنانة المصرية نسرين أمين تكشف عن المسلسلات التي تتابعها خلال رمضان