تقرير أميركي: الحوثيون يستغلون التوتر الإقليمي ويختبرون حدود الرد السعودي

تشهد الهدنة غير المعلنة في اليمن مرحلة هي الأكثر هشاشة منذ التوصل إليها قبل أربعة أعوام، في ظل تصاعد التوتر بين جماعة الحوثيين والسعودية، وتزايد ارتباط الملف اليمني بالتطورات الإقليمية الأوسع، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من طرف وإيران من الطرف الآخر، فبينما كانت التهدئة تمنح الأطراف مساحة لتجنب العودة إلى المواجهات الواسعة، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الجماعة باتت تتبنى سياسة أكثر جرأة لاختبار حدود الرد السعودي وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية جديدة.

ويرى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن الحوثيين يستغلون الظروف الإقليمية الحالية لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع الرياض، مستفيدين من قناعة متزايدة بأن السعودية لا تزال تفضل احتواء التصعيد على العودة إلى حرب مفتوحة، حتى مع استمرار الضغوط والتهديدات التي تستهدف أمنها ومصالحها الاقتصادية.

وجاء التصعيد الأخير بعد اتهام الحوثيين السعودية باستهداف مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفدًا حوثيًا عائدًا من المشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، وردت الجماعة بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ باتجاه مطار أبها الدولي، إلى جانب التهديد باعتبار الأجواء السعودية غير آمنة ما لم تُرفع القيود المفروضة على مطار صنعاء.

غير أن هذه الحادثة لم تكن سوى الحلقة الأحدث في سلسلة من التوترات المتصاعدة. فقد سبقتها رحلة جوية لشركة "ماهان إير" الإيرانية إلى صنعاء دون موافقة الحكومة اليمنية، في أول رحلة مباشرة بين طهران وصنعاء منذ أكثر من عقد، وهو ما اعتُبر تحديًا واضحًا للترتيبات الأمنية التي تنظم المجال الجوي اليمني منذ سنوات.

وفي الوقت نفسه، كثفت الجماعة خطابها السياسي ضد الرياض، ملوحة بإمكانية استئناف الحرب إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها المتعلقة برفع ما تصفه بـ"الحصار"، وصرف رواتب الموظفين، وتعويضها عن سنوات الحرب، إلى جانب تنفيذ عمليات عسكرية محدودة ضد القوات الحكومية اليمنية على الساحل الغربي، في محاولة لاختبار موازين القوى داخليًا أيضًا.

ويبدو أن الحوثيين ينطلقون من قراءة مختلفة للواقع الإقليمي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات. فبرغم الضربات الأميركية والإسرائيلية التي تعرضوا لها خلال العامين الماضيين، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، ترى الجماعة أنها خرجت من تلك المرحلة محتفظة بقيادتها العسكرية والسياسية، بخلاف بعض حلفاء إيران الآخرين في المنطقة الذين تعرضوا لخسائر أكبر.

وتستند هذه الثقة كذلك إلى ما تعتبره ورقة ضغط استراتيجية تتمثل في قدرتها على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وهو نفوذ تعزز مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، الأمر الذي دفع السعودية إلى زيادة الاعتماد على موانئها المطلة على البحر الأحمر لتصدير النفط، ما يمنح أي تهديد لهذا الممر البحري أبعادًا اقتصادية ودولية تتجاوز الساحة اليمنية.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن قضية إعادة فتح مطار صنعاء هي الهدف الحقيقي للجماعة، إذ تتجاوز مطالبها مجرد استئناف الرحلات المدنية. فالحوثيون يسعون إلى فتح المجال أمام رحلات مباشرة وغير مقيدة مع إيران، بما يسمح بتسهيل انتقال الخبرات والمعدات التي تحتاجها الجماعة، فضلًا عن توسيع هامش استقلالها السياسي والاقتصادي بعيدًا عن القيود المفروضة عليها.

كما تشمل المطالب ملفات أكثر تعقيدًا، مثل تخفيف القيود على ميناء الحديدة، وإلغاء عمليات تفتيش السفن، وتأمين مصادر تمويل مستدامة عبر رواتب الموظفين والوصول إلى عائدات النفط والغاز، وهي قضايا تمثل جوهر أي تسوية سياسية مستقبلية في اليمن، ولا يمكن حسمها من خلال تفاهمات ثنائية بين الحوثيين والسعودية فقط.

ويؤكد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي هذا الاتجاه من خلال خطابه الأخير، الذي اتهم فيه السعودية بالانحياز إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، واعتبر أن استمرار القيود على اليمن يمثل انتهاكًا لسيادة البلاد. كما لوح باستهداف المنشآت النفطية والبنية التحتية السعودية إذا استمرت الضغوط، مستخدمًا معادلة "المطارات مقابل المطارات، والموانئ مقابل الموانئ، والحصار مقابل الحصار".

ولا تقتصر أبعاد الأزمة على العلاقة بين الحوثيين والسعودية، بل تمتد إلى الحسابات الإيرانية الأوسع. فإعادة تشغيل خط الطيران بين طهران وصنعاء حملت رسالة سياسية مفادها أن إيران لا تزال قادرة على دعم حلفائها الإقليميين رغم الضغوط الأميركية والعقوبات، وأنها تحتفظ بأدوات إضافية للتأثير في معادلات الأمن الإقليمي.

وفي هذا الإطار، يشكل باب المندب إحدى أهم هذه الأدوات، إذ يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط موازية لمضيق هرمز إذا تصاعدت المواجهة بين طهران وواشنطن. ويعني ذلك أن تهديد حركة الملاحة عبر البحر الأحمر لم يعد مرتبطًا فقط بالحرب في اليمن، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من أوراق الضغط المتبادلة بين القوى الإقليمية والدولية.

ويشير معهد واشنطن إلى أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس وقوع مواجهة عسكرية شاملة، وإنما تزايد احتمالات سوء التقدير بين الأطراف. فالضربات المتبادلة حتى الآن ظلت محسوبة، وهدفت إلى إرسال رسائل سياسية أكثر من السعي إلى إشعال حرب جديدة، إلا أن استمرار التصعيد وارتفاع سقف المطالب قد يدفع أي خطأ في الحسابات إلى إشعال مواجهة يصعب احتواؤها.

كما أن تداخل الأزمة اليمنية مع ملفات إقليمية أخرى، مثل الصراع الإيراني الأميركي وأمن الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي، يجعل أي تصعيد في اليمن يحمل تداعيات تتجاوز حدود البلاد، ليمتد تأثيره إلى أسواق النفط وسلاسل التجارة الدولية وأمن البحر الأحمر.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو فرص الحفاظ على الهدنة مرتبطة بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد وإعادة فتح قنوات التفاوض، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحوثيين يسعون إلى استثمار اللحظة الإقليمية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، مستندين إلى قناعة بأن موازين القوى تغيرت، وأن الرياض لا ترغب في العودة إلى حرب تستنزفها سياسيًا واقتصاديًا.

وبين اختبار الحوثيين لحدود الرد السعودي، ومحاولة إيران توظيف الجماعة كورقة ضغط في صراعها الإقليمي، تقف اليمن أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد ليس فقط مستقبل الهدنة، وإنما شكل التوازنات الأمنية في البحر الأحمر والخليج خلال السنوات المقبلة.

Previous
Previous

الخبير العسكري اللبناني العميد جوني خلف: تطبيق المناطق التجريبية سيكون أمرا محفوفا بالمخاطر

Next
Next

ما مصير العملة القديمة بعد انتهاء مهلة الاستبدال المحددة في 30 يوليو؟