بقيادة سلطان الجابر.. "أدنوك" تتحوّل إلى لاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية
أشادت جريدة "ذا نيويورك تايمز" بدور وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي سلطان أحمد الجابر في شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" التي تمر بمرحلة تحول استثنائية تهدف إلى تحويل الشركة من الاعتماد التقليدي على النفط إلى قوة طاقة متعددة القطاعات وذات نفوذ عالمي.
وأوضحت الجريدة، في تقرير، أن "أدنوك" قبل تعيين الجابر رئيسا تنفيذيا لها، كانت تكتفي بالاستفادة من حقول النفط منخفضة التكلفة في الإمارات، لكنها اليوم تسعى إلى توسيع نشاطها عالميًا في الغاز الطبيعي، والكيماويات، والطاقة المتجددة.
يحمل الجابر، الذي يعرف بين موظفي "أدنوك" بلقب "الدكتور" نسبة إلى حصوله على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كوفنتري في المملكة المتحدة، رؤية لتحويل الشركة إلى كيان عالمي قادر على المنافسة مع أكبر شركات الطاقة في العالم، بما في ذلك النفوذ في سوق الغاز الطبيعي، حيث تهدف الشركة لأن تكون ضمن أفضل خمسة مزودين عالميين. وقد أسس الجابر ذراع الاستثمار العالمية "إكس آر جي" في أواخر 2024، والتي تتولى الاستحواذ على أصول استراتيجية مثل مصنع الغاز المسال في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ممتلكات في أذربيجان ومصر وموزمبيق.
كما أطلقت "أدنوك" خططًا طموحة في مجال الكيماويات والطاقة المتجددة، من خلال شراكات مع شركات عالمية مثل "أو إم في" النمساوية لتطوير مجموعة "بروج جروب إنترناشونال"، وعلى صعيد الطاقة النظيفة، أسس الجابر شركة "مصدر" المطورة للطاقة المتجددة التي تركز على مشاريع شمسية وريحية، في وقت تتراجع فيه شركات نفطية كبرى عن الاستثمار في الطاقة البديلة لأسباب تتعلق بالربحية. ووفقًا لكارين يونغ، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، فإن تطوير هذه المشاريع يعزز الهيمنة الإماراتية على أسواق الطاقة ويتيح للإمارات "مشروع قوة" خاصة في الأسواق الناشئة.
على الصعيد الداخلي، نجحت "أدنوك" في رفع إنتاج النفط إلى 3.6 مليون برميل يوميًا، لتصبح الإمارات ثالث أكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" بعد السعودية والعراق، مع الحفاظ على التوازن بين الإنتاج والكفاءة التشغيلية من خلال خفض القوى العاملة بمقدار 15 ألف موظف منذ 2016، لتصل إلى نحو 50 ألف موظف حاليًا. وقد لعبت هذه الإجراءات دورًا في تعزيز نفوذ الإمارات ضمن مجموعة منتجي النفط "أوبك بلس"، حيث تمكّنت من الحصول على زيادة في حصتها الإنتاجية، مستفيدة من قدرتها على مواصلة النمو في الوقت الذي تواجه فيه دول أخرى مثل فنزويلا ونيجيريا تحديات إنتاجية كبيرة.
كما ساهمت التحركات المالية لشركة "أدنوك" في تعزيز قدرتها على المنافسة العالمية، إذ تمكنت من جمع مليارات الدولارات من المستثمرين الدوليين عبر بيع حصص في وحدات محددة من الشركة وإدراجها في سوق أبوظبي للأوراق المالية. ويقول كلاس فروليخ، الرئيس التنفيذي للاستثمارات في "أدنوك"، إن التعامل مع المستثمرين المؤسسيين على غرار "جلوبل إنترناشونال بارتنرز" و"كي كي آر" أتاح للشركة رفع معايير الاحترافية والحوكمة، مضيفًا أن مواجهة مثل هذه المؤسسات المالية كانت "صدمة ثقافية" ساعدت على تعزيز مهارات الإدارة ورفع مستوى الأداء.
ولم يقتصر دور الجابر على "أدنوك" فقط، بل شغل أيضًا منصب وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، وقاد مؤتمر "كوب" المناخي في الإمارات 2023، محافظًا على دوره كرئيس تنفيذي لشركة النفط العملاقة، ما يعكس توازنه بين الطموحات الاقتصادية والالتزامات البيئية. ومع تزايد المنافسة على أصول النفط والغاز عالميًا، يواجه الجابر تحديات إدارة شبكة واسعة من الاستثمارات الدولية مع الحفاظ على مكانة الإمارات الاستراتيجية في سوق النفط والغاز المحلي.
ورغم هذه التوسعات الطموحة، يحذر بعض الخبراء من أن "أدنوك" قد تحاول فعل الكثير في وقت واحد، ما قد يزيد من المخاطر التشغيلية. يقول روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة قمر للطاقة في دبي إن التوسع السريع في مجالات الغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة، والكيماويات، إلى جانب الإدارة الداخلية للشركة، يمثل "اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة على المزج بين الطموح والواقعية".
في المجمل، يظهر تحول "أدنوك" بقيادة سلطان الجابر كأحد أبرز الأمثلة على شركات النفط الوطنية التي لا تكتفي بالاعتماد على مواردها التقليدية، بل تسعى إلى إعادة تعريف دورها في الأسواق العالمية، من خلال دمج الإنتاج التقليدي مع الاستثمار في الطاقة النظيفة، والغاز، والكيماويات، والتكنولوجيا الحديثة. ومع استمرار ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، وتزايد المنافسة الدولية، يبدو أن مستقبل "أدنوك" سيكون اختبارًا مهمًا لقدرة الشركات الوطنية على الجمع بين الطموح الاقتصادي والريادة العالمية والاستدامة البيئية في آن واحد.