"إندبندنت": تجاهل تهديد الحوثيين قد يفاقم مأزق واشنطن في الشرق الأوسط

حذرت صحيفة "إندبندنت" البريطانية من أن تجاهل الولايات المتحدة لتصاعد تهديد جماعة الحوثيين في البحر الأحمر وجنوب السعودية قد يزيد تعقيد مأزق واشنطن في الشرق الأوسط، خصوصًا مع اتساع نطاق الحرب المرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران،

ويأتي ذلك بعدما شن الحوثيون هجمات واسعة على أربع مدن في جنوب السعودية، استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت للطاقة، في واحدة من أكبر موجات الهجمات على المملكة منذ بدء الحرب الإقليمية في فبراير.

وقالت الصحيفة، في تقرير حديث، إن واشنطن تعاملت إلى حد كبير مع الاضطرابات المستمرة التي تسبب بها الحوثيون حول البحر الأحمر باعتبارها مشكلة قائمة بذاتها، لكن اتساع المواجهة مع السعودية قد يجعل من الصعب على الإدارة الأميركية الاستمرار في تجاهلها، ويدفعها إلى التدخل في جبهة إضافية من الصراع.

وبحسب التحليل، فإن الحوثيين وسعوا نطاق عملياتهم من استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى ضرب الأراضي السعودية، بالتزامن مع استمرار إيران في استخدام اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وسيلة للضغط على الولايات المتحدة، ويرى التقرير أن الجمع بين الجبهتين يخلق خطرًا أكبر على أمن الطاقة والتجارة العالمية، خصوصًا أن أي اضطراب إضافي في طرق تصدير النفط قد يرفع الأسعار ويزيد الضغوط الاقتصادية.

الحوثيون يوسعون دائرة المواجهة

وترى "إندبندنت" أن هجمات الحوثيين الأخيرة تأتي بعد أشهر من استهداف السفن في البحر الأحمر، وهي عمليات تقول الجماعة إنها مرتبطة بالمواجهة الإقليمية ودعم إيران. وأدت الهجمات السابقة إلى تراجع حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر بصورة كبيرة، فيما لم يشهد هذا المسار تعافيًا مستدامًا رغم محاولات الحد من المخاطر الأمنية.

ونقلت الصحيفة عن إدموند فيتون براون، السفير البريطاني السابق لدى اليمن، أن الحوثيين ربما يعتقدون أن الوقت أصبح مناسبًا لاختبار موقف السعودية، معتبرًا أن الجماعة قد تكون تراهن على أن الرياض فقدت الرغبة في خوض مواجهة طويلة، وبالتالي تسعى إلى رفع سقف مطالبها والحصول على شروط أكثر ملاءمة لها.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الجماعة لا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره جبهة منفصلة عن الحرب الأوسع، بل جزءًا من شبكة ضغوط مرتبطة بالمواجهة مع إيران والولايات المتحدة.

جبهة ثانية بعد مضيق هرمز

ونقلت "إندبندنت" عن ليندسي نيومان، الباحثة المساعدة في "تشاتام هاوس"، أن التصعيد الحوثي يوضح أن أزمة البحر الأحمر أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالتوتر حول مضيق هرمز، مشيرة إلى أن الجماعة لا تزال أكثر قدرة على الاستمرار في القتال مقارنة ببعض القوى الأخرى المرتبطة بإيران.

وبحسب نيومان، فإن أي تسوية للحرب الإقليمية لا يمكن أن تتجاهل مسألة دعم إيران للجماعات المسلحة، لأن ترك هذا الملف دون معالجة قد يسمح لهذه الجماعات بإعادة بناء قدراتها والاستمرار في تعطيل الملاحة والأمن الإقليمي.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر مع تزامن الهجمات على السعودية مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ويشير التصعيد إلى احتمال انتقال الضغوط من نقطة الاختناق البحرية في الخليج إلى نقطة أخرى عند مدخل البحر الأحمر، بما يهدد واحدًا من أهم مسارات نقل الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.

السعودية بين الرد العسكري والدبلوماسية

وفي مواجهة التصعيد، تعهدت قيادة القوات المشتركة للتحالف الذي تقوده السعودية بمواجهة الحوثيين، فيما أدان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الهجمات، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الطريق إلى الدبلوماسية لم يُغلق.

وترى "إندبندنت" أن موقف الرياض يعكس صعوبة الخيارات أمام المملكة؛ فالرد القوي قد يعيد إشعال حرب واسعة مع الحوثيين، بينما قد يُفسر ضبط النفس على أنه ضعف ويشجع الجماعة على مواصلة التصعيد. وفي المقابل، يشكك بعض المحللين السعوديين في فرص التوصل إلى تسوية سياسية مع الحوثيين في ظل التطورات الأخيرة.

وتزداد صعوبة الموقف مع سعي السعودية إلى تعزيز ترتيباتها الدفاعية الإقليمية، بما في ذلك اتفاق دفاعي مع تركيا وباكستان، في وقت لا تزال فيه علاقاتها مع الإمارات تواجه خلافات بشأن عدد من الملفات الإقليمية.

لماذا يصعب على واشنطن البقاء خارج المعادلة؟

يرى التحليل البريطاني أن الخطر الأساسي بالنسبة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب يتمثل في أن استمرار تجاهل جبهة البحر الأحمر قد يؤدي إلى اتساعها إلى درجة يصبح معها التدخل الأميركي أمرًا أكثر إلحاحًا. فواشنطن تواجه بالفعل مواجهة مباشرة مع إيران، بينما تتعرض حليفتها السعودية لهجمات من جماعة مرتبطة بطهران، في وقت تتأثر فيه حركة التجارة والطاقة على جانبي شبه الجزيرة العربية.

وبالتالي، فإن أي توسع في القتال بين السعودية والحوثيين قد يفرض على الولايات المتحدة الاختيار بين السماح لحليفتها بخوض المواجهة منفردة، مع احتمال تضرر إمدادات الطاقة والملاحة، أو توسيع انخراطها العسكري في صراع متعدد الجبهات.

وتخلص "إندبندنت" إلى أن تجاهل تهديد الحوثيين قد يكون عكسيًا بالنسبة لواشنطن؛ إذ إن استمرار الهجمات على الملاحة والسعودية يمكن أن يفاقم الأزمة الاقتصادية والأمنية في المنطقة، ويجعل السيطرة على مسارات التجارة والطاقة أكثر صعوبة. ومن هذا المنظور، لا تبدو جبهة البحر الأحمر قضية منفصلة يمكن تأجيلها، بل أحد الملفات التي قد تحدد قدرة إدارة ترامب على احتواء الحرب الإقليمية ومنع تحولها إلى صراع أوسع.

Previous
Previous

رواد أعمال سوريون: عودة الدفع الإلكتروني تدعم النمو الاقتصادي

Next
Next

الفنان اللبناني جورج شلهوب: الفن اللبناني يفتقد إلى الدعم المؤسسي