"وول ستريت جورنال": الانسحاب الأميركي يترك العراق أمام تحدي نزع سلاح الفصائل
تدخل العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة مرحلة جديدة مع اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، في وقت تواجه فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي اختبارًا صعبًا يتمثل في مساعيها لفرض احتكار الدولة للسلاح، وسط نفوذ سياسي وعسكري واسع لفصائل مدعومة من إيران، وفق تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".
وقالت الصحيفة إن الجيش الأميركي أغلق آخر قاعدة عسكرية رئيسية له في العراق، بعد أكثر من 23 عامًا على الغزو الأميركي، منهيا بذلك مرحلة طويلة من الوجود العسكري المباشر في البلاد، وأشارت إلى أن هذا الانسحاب يأتي بعد إنفاق الولايات المتحدة نحو 1.7 تريليون دولار على الحرب في العراق والعمليات المرتبطة بها.
وبحسب التقرير، يمثل خروج القوات الأميركية تحولًا مهمًا في المشهد الأمني العراقي، لكنه يترك وراءه تحديات مرتبطة بقدرة الحكومة على التعامل مع الفصائل المسلحة التي عززت نفوذها خلال السنوات الماضية، وأصبحت جزءًا من المشهدين السياسي والأمني في البلاد.
اختبار نزع السلاح
وأوضحت "وول ستريت جورنال" أن رئيس الوزراء علي الزيدي كان قد حدد مهلة للفصائل المدعومة من إيران لتسليم أسلحتها، في إطار مسعى حكومي لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة وترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية.
لكن الصحيفة قالت إن الفصائل أبدت مقاومة لهذه الخطوة، مع وجود احتمال لتمديد المهلة، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية تجعل عملية نزع السلاح أكثر صعوبة.
وأصبح عدد من هذه الفصائل مرتبطًا بمؤسسات الدولة، فيما يتمتع بعضها بتمثيل سياسي داخل البرلمان ونفوذ في مؤسسات مختلفة، وهو ما يجعل الفصل بين النشاط السياسي والقدرات العسكرية لهذه الجماعات تحديًا أمام الحكومة العراقية.
وترى الصحيفة أن هذا الوضع يعود جزئيًا إلى التحولات التي شهدها العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003، إذ أدى انهيار مؤسسات الدولة الأمنية في أعقاب الغزو إلى نشوء جماعات مسلحة متعددة، قبل أن تتغير طبيعة المشهد مع انسحاب القوات الأميركية عام 2011 وعودة واشنطن إلى العراق في 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
وخلال الحرب على تنظيم الدولة، لعبت فصائل مسلحة مدعومة من إيران دورًا بارزًا في القتال، قبل أن تترسخ مكانتها داخل المنظومة الأمنية والسياسية العراقية.
أكثر من عقدين من الوجود الأميركي
وتستعيد "وول ستريت جورنال" في تقريرها مسار الوجود الأميركي في العراق، الذي بدأ بالغزو عام 2003، ثم شهد انسحاب القوات الأميركية في 2011، قبل عودتها بعد ثلاث سنوات في إطار الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وبمرور الوقت، تحولت مهمة القوات الأميركية من العمليات القتالية المباشرة إلى تقديم الدعم والتدريب والمشورة للقوات العراقية، وصولًا إلى الاتفاق على إنهاء المهمة العسكرية الأميركية في العراق وسحب القوات من القواعد الرئيسية.
ومع إغلاق آخر قاعدة رئيسية، ينتهي جانب كبير من الوجود العسكري الأميركي المباشر، لكن ذلك لا يعني اختفاء الدور الأميركي بالكامل، إذ تبقى قدرات مرتبطة بجمع المعلومات والمراقبة والاستطلاع، إلى جانب وجود دبلوماسي أميركي ومهام لحماية المنشآت والمصالح الأميركية.
هجمات على المصالح الأميركية
وربطت الصحيفة الانسحاب أيضًا بالتوترات الإقليمية المتزايدة، مشيرة إلى أن المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأميركية في العراق تعرضت لأكثر من 600 هجوم خلال أول شهرين من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب ما أوردته في تقريرها.
وأظهر ذلك، وفق الصحيفة، مدى ارتباط الساحة العراقية بالتوترات الإقليمية، ولا سيما مع امتلاك الفصائل المدعومة من إيران قدرات عسكرية وشبكات سياسية داخل العراق.
وفي هذا السياق، يصبح خروج القوات الأميركية اختبارًا مزدوجًا للحكومة العراقية: فمن جهة، يتعين عليها تعزيز قدرتها على حماية مؤسسات الدولة والمنشآت الأجنبية، ومن جهة أخرى، التعامل مع جماعات مسلحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا لا يمكن فصله بسهولة عن بنية النظام السياسي الذي تشكل بعد 2003.
مرحلة جديدة
وترى "وول ستريت جورنال" أن الانسحاب الأميركي يفتح فصلًا جديدًا في العراق، تكون فيه مسؤولية إدارة التوازنات الأمنية والسياسية الداخلية أكبر على عاتق الحكومة العراقية نفسها.
وبينما تسعى بغداد إلى تأكيد سلطة الدولة وتنظيم السلاح خارج المؤسسات الرسمية، تواجه هذه المساعي واقعًا يتمثل في أن بعض الفصائل أصبحت جزءًا من المؤسسات السياسية والأمنية، ما يجعل نزع سلاحها عملية معقدة تتجاوز الجانب العسكري إلى ترتيبات سياسية أوسع.
وبذلك، لا يمثل إغلاق القاعدة الأميركية الأخيرة نهاية الحضور الأميركي العسكري في العراق فحسب، بل يشكل أيضًا نقطة تحول في مسؤولية الدولة عن إدارة المشهد الأمني، في وقت يبقى فيه نفوذ الفصائل المسلحة والعلاقات الإقليمية عاملين رئيسيين في تحديد شكل المرحلة المقبلة.