رغم الخلاف المذهبي.. كيف التقت مصالح إيران والإخوان؟

رغم وقوف إيران وجماعة الإخوان المسلمين على طرفي الانقسام السني–الشيعي، فإن مسار العلاقة بينهما يكشف عن مساحات من التقارب والتعاون تجاوزت في محطات عدة الخلافات المذهبية، مدفوعة بمصالح سياسية واستراتيجية مشتركة، وبخطاب يجمع بين الطابع الديني والمواجهة مع إسرائيل والغرب.

وتناول إمام محمد توحيدي، مستشار شؤون مكافحة التطرف والإرهاب لدى «تريندس ريسيرش»، في مادة تحليلية، طبيعة التقاطع بين إيران والجماعة وفروعها، مستندة إلى أدبيات سياسية ترى أن الهويات الطائفية ليست بالضرورة عوامل ثابتة للصراع، وإنما يمكن توظيفها وتفعيلها سياسيًا وفقًا لمصالح الدول والحركات.

الطائفية.. هوية قابلة للتوظيف السياسي

وتنطلق المادة من مفهوم «الطائفية السياسية»، الذي يرفض تفسير الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط باعتبارها امتدادًا حتميًا لعداء تاريخي بين السنة والشيعة. ووفق هذا المنظور، يمكن للفاعلين السياسيين تفعيل الهوية المذهبية أو تخفيف حضورها تبعًا للظروف، وتحويلها إلى وسيلة للتعبئة أو بناء النفوذ أو مواجهة الخصوم.

وفي الحالة الإيرانية، تشير المادة إلى أن الدين يمثل أحد العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية، لكنه لا يفسر بمفرده تحركات طهران، خصوصًا في علاقاتها مع الدول. في المقابل، يزداد حضور العامل الديني في تعامل إيران مع الجماعات المسلحة وغير الحكومية، التي أصبحت إحدى أبرز أدواتها لتوسيع النفوذ الإقليمي.

وتربط المادة تصاعد هذا المسار بمرحلتين رئيسيتين؛ الأولى إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، والثانية اندلاع الانتفاضات العربية منذ 2010، إذ أدت التطورات في الحالتين إلى زيادة الاستقطاب بين إيران وعدد من الدول العربية السنية، ووفرت بيئة مواتية لتوظيف الهويات المذهبية في الصراع الإقليمي.

«الهلال الشيعي» وشبكة النفوذ الإيراني

ومنذ عام 2003، عززت إيران علاقاتها مع جماعات مسلحة وحلفاء محليين في العراق ولبنان وسوريا واليمن، ضمن شبكة نفوذ إقليمية يصفها الخطاب السياسي العربي أحيانًا بـ«الهلال الشيعي»، الممتد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولًا إلى بيروت.

وتعتبر المادة أن هذه الشبكة أتاحت لإيران إسقاط نفوذها إلى مسافات تتجاوز قدراتها العسكرية التقليدية، كما وفرت لها أدوات سياسية وعسكرية لمواجهة خصومها الإقليميين والغربيين، إلى جانب تقديم نفسها بوصفها داعمًا للمجتمعات الشيعية و«قوى المقاومة».

غير أن المادة تحذر من اختزال السياسة الإيرانية في العامل المذهبي، معتبرة أن الحسابات الجيوسياسية وأمن النظام والمصالح الاستراتيجية تتداخل مع الخطاب الديني في تحديد سلوك طهران.

وتقدم الحرب السورية مثالًا على هذا التداخل، إذ تشير إلى أن الاصطفاف الطائفي لم يكن بالضرورة أساس السياسات الأولى للأطراف المتنافسة، لكنه اكتسب أهمية متزايدة مع تطور الحرب، عندما أصبحت القوى المرتبطة بالهويات المذهبية أكثر فاعلية في خدمة أهداف الأطراف المتصارعة.

مفارقة السياسة الإيرانية في الداخل

وفي مقابل خطاب التضامن الشيعي الذي تستخدمه إيران في سياستها الإقليمية، تسلط المادة الضوء على تعامل النظام الإيراني مع الأقليات داخل البلاد.

وتشير إلى أن المسلمين السنة، الذين يتركزون خصوصًا بين الأكراد والبلوش وبعض العرب، يواجهون قيودًا سياسية ومؤسسية، كما تتحدث عن غياب مسجد سني رسمي في العاصمة طهران رغم وجود أعداد كبيرة من السنة فيها.

لكن المادة تتجاوز الانقسام المذهبي لتشير إلى وضع العرب الأحوازيين في خوزستان، وهم في غالبيتهم من الشيعة، معتبرة أن تعرضهم للقمع والتهميش يوضح أن الانتماء العرقي والاعتبارات الأمنية والسياسية قد تتقدم أحيانًا على الانتماء المذهبي في تعامل الدولة مع مواطنيها.

ومن ثم، ترى المادة أن المحرك الأساسي للسياسة الإيرانية لا يتمثل في التضامن المذهبي وحده، وإنما في الحفاظ على أمن النظام وسلطته المركزية، في إطار نظام ولاية الفقيه.

الإخوان.. الهوية والتنظيم وسيلة لبناء النفوذ

في المقابل، تنظر المادة إلى جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها حركة عابرة للحدود، تأسست في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، وطرحت مشروعًا يقوم على إعادة بناء المجتمع والدولة وفق تصور إسلامي.

وتشير إلى اعتماد الجماعة وفروعها على شبكات الدعوة والتربية والعمل الاجتماعي والتنظيم الداخلي، بما يخلق روابط ولاء طويلة الأمد بين الحركة وقواعدها. ووفق التحليل، أصبحت الهوية الدينية بذلك إحدى الأدوات الرئيسية للتعبئة وبناء النفوذ السياسي والاجتماعي.

وتبرز حماس باعتبارها من أبرز الأمثلة على هذا النموذج، إذ نشأت في البيئة الإخوانية الفلسطينية، واستطاعت الجمع بين الخطاب الديني والقضية الفلسطينية والنزعة المناهضة لإسرائيل والغرب، وتحويل القضية الفلسطينية إلى إطار تعبوي يتجاوز حدود المجتمع الفلسطيني.

كما تتناول المادة ما تصفه بمشروع طويل الأمد لـ«التمكين» عبر المؤسسات والمساجد والروابط الاجتماعية، مستندة، ضمن جملة من الأدلة، إلى وثيقة داخلية تعود إلى عام 1991 وتتعلق بالنشاط المرتبط بجماعة الإخوان في أميركا الشمالية. وتشير المادة إلى أن تفسير هذه الوثيقة ومدى تمثيلها لمجمل التيار الإخواني يظل محل نقاش بين الباحثين.

إيران وحماس.. التقاطع الأوضح

وتظهر المفارقة الأبرز في العلاقة بين إيران والإخوان من خلال علاقة طهران بحماس، وهي حركة سنية ذات جذور إخوانية، تلقت دعمًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا من إيران على مدى عقود.

وترى المادة أن هذه العلاقة تقدم مثالًا واضحًا على قدرة المصالح السياسية والاستراتيجية على تجاوز الانقسام المذهبي؛ فإيران، رغم كونها دولة ذات نظام ديني شيعي، طورت علاقة وثيقة مع حركة سنية عندما وجدت في ذلك وسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما.

وتعود المادة بجذور هذا التقارب إلى العقود الأولى من القرن الماضي، مشيرة إلى علاقات حسن البنا مع شخصيات دينية إيرانية، وإلى تأثر آية الله الخميني ببعض أفكار الإخوان، فضلًا عن ترجمة علي خامنئي أعمال سيد قطب إلى الفارسية.

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، تشير المادة إلى استمرار التواصل بين بعض التيارات الإخوانية وإيران، بما في ذلك اهتمام بعض هذه التيارات بالنموذج الثوري الذي أسسه الخميني، إلى جانب دعوات داخل الأوساط الإخوانية إلى التقارب بين السنة والشيعة في مواجهة الخصوم المشتركين.

«المرشد» و«المرشد الأعلى»

ولا تحصر المادة أوجه التقارب في المصالح السياسية، بل تشير إلى تشابهات في البنية القيادية والتنظيمية بين الطرفين، خصوصًا بين مفهوم «المرشد» لدى الإخوان ومفهوم «المرشد الأعلى» في النظام الإيراني.

ولا يعني ذلك، بحسب التحليل، تطابق التجربتين أو زوال الخلافات العقائدية بينهما، وإنما يعكس قدرًا من التقاطع في تصور السلطة الدينية والسياسية، بما أتاح هامشًا للتأثر المتبادل والتعاون في بعض المراحل.

ومع ذلك، لم يكن هذا التقارب ثابتًا؛ فقد كشفت الحرب السورية عن حدود العلاقة عندما ابتعدت حماس عن دمشق وطهران وانحازت إلى المعارضة السورية ذات الغالبية السنية. لكن العلاقات عادت إلى التحسن لاحقًا، مع استمرار التقاطع حول القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل.

وتخلص المادة إلى أن العلاقة بين إيران والإخوان لا يمكن وصفها بأنها تحالف مذهبي، كما لا يمكن اعتبار الطرفين متطابقين أيديولوجيًا.

Next
Next

تاجر شرقيات لأصالة: عود والدك عندي وبانتظار إهدائه لك عند وصولك