بعد نجاح «براكة».. الإمارات تراهن على الطاقة النووية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء
تتجه الإمارات إلى توسيع دور الطاقة النووية في منظومة الكهرباء والصناعة، بعد دخول محطة «براكة» النووية مرحلة التشغيل التجاري الكامل، مع توجه متزايد نحو دراسة تقنيات المفاعلات النووية الصغيرة والمتقدمة وتوظيفها في قطاعات تتجاوز إنتاج الكهرباء، بينها مراكز البيانات والموانئ والصناعات الثقيلة.
وتشير دراسة حديثة نشرها مكتب «ستيفنسون هاروود»، إلى أن تشغيل مفاعلات «براكة» الأربعة، التي تبلغ قدرتها الإجمالية 5.6 غيغاوات، شكّل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في البرنامج النووي الإماراتي، بعدما أصبحت المحطة قادرة على إنتاج نحو 40 تيراوات/ساعة من الكهرباء الخالية من الكربون سنويًا، بما يعادل نحو 25% من الطلب المحلي على الكهرباء في الإمارات.
وبحسب الدراسة، لم يعد النقاش الإماراتي حول الطاقة النووية مقتصرًا على تأمين إمدادات الكهرباء الأساسية، إذ تبحث مؤسسة الإمارات للطاقة النووية «إينك» إمكانات توسيع الأسطول النووي، بالتوازي مع تقييم تقنيات جديدة للمفاعلات الصغيرة والمتقدمة. وتأتي هذه الخطوة في وقت يُتوقع فيه ارتفاع قدرة سوق الكهرباء الإماراتية من نحو 54.15 غيغاوات إلى 68.08 غيغاوات، مع ارتباط جزء من الزيادة بالنمو السريع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
مراكز البيانات والطلب على الكهرباء
ويمثل التوسع في مراكز البيانات أحد المجالات التي تدفع الإمارات إلى البحث عن مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات. وفي هذا السياق، أطلقت «إينك» برنامج «ADVANCE» لتطوير ودراسة المفاعلات الصغيرة والمتقدمة، ودخلت في مايو 2025 في تقييم استراتيجي مع شركة «جنرال إلكتريك فيرنوفا هيتاشي» للطاقة النووية بشأن مفاعل «BWRX-300».
وتستهدف هذه الشراكة، وفق الدراسة، بحث إمكانات استخدام المفاعلات الصغيرة لتزويد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بالطاقة، إلى جانب تطبيقات أخرى تشمل إنتاج الجزيئات النظيفة والهيدروجين، مع احتمال توسيع استخدام هذه التقنيات إقليميًا.
ويأتي هذا التوجه في ظل اختلاف احتياجات مراكز البيانات عن أنماط الطلب التقليدية على الكهرباء، إذ تتطلب منشآتها إمدادات مستقرة على مدار الساعة، وهو ما يفتح المجال أمام تقنيات نووية أصغر يمكن نشرها بالقرب من مواقع الاستهلاك، وفق المسارات التي تستكشفها «إينك».
مفاعلات أصغر للصناعة والمناطق النائية
ولا تقتصر خطط الإمارات على مفاعل «BWRX-300»، إذ شهد فبراير 2026 توقيع مذكرة تفاهم بين شركة «EHC Investment» وشركة «NANO Nuclear Energy» لدراسة مفاعل «KRONOS MMR».
وتبلغ القدرة الحرارية للمفاعل المقترح 45 ميغاوات، مع قدرة كهربائية تصل إلى 15 ميغاوات، ويعتمد على تقنية المفاعل الغازي عالي الحرارة، مع تصميم مغلق لا يحتاج إلى المياه أثناء التشغيل، وإمكان نقله إلى مواقع مختلفة.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الخصائص تجعله ضمن التقنيات التي يمكن بحث استخدامها في المناطق النائية وقطاعات النفط والغاز والتعدين والصناعات الثقيلة، حيث قد يكون توفير شبكات كهرباء تقليدية مكلفًا أو غير عملي.
من الكهرباء إلى الموانئ
وتتجاوز الاستراتيجية الإماراتية قطاع الكهرباء إلى قطاع النقل البحري والموانئ، مع دراسة إمكان استخدام المفاعلات الصغيرة والمتقدمة لتوفير الكهرباء للموانئ وتقليل اعتماد السفن الراسية على محركاتها التقليدية.
وتطرح الدراسة إمكانية استخدام الطاقة النووية في عمليات «التوصيل الكهربائي من الرصيف» أو ما يعرف بـ«Cold Ironing»، بما يسمح للسفن بإيقاف محركاتها أثناء وجودها في الموانئ والحصول على الكهرباء من مصدر خارجي. ويبرز ميناءا جبل علي وخليفة ضمن المواقع التي يمكن بحث مثل هذه التطبيقات فيها.
كما يمكن استخدام الحرارة الناتجة عن بعض المفاعلات الصغيرة والمتقدمة في إنتاج الهيدروجين الأخضر والميثانول والأمونيا، ما يوسع نطاق استخدام الطاقة النووية من إنتاج الكهرباء إلى دعم صناعات ووقود منخفض الكربون.
«براكة» قاعدة للتوسع
ويمثل نجاح محطة «براكة» الأساس الذي تستند إليه الإمارات في بحث المرحلة التالية من برنامجها النووي. فالمحطة، التي تضم أربعة مفاعلات كورية الصنع من طراز «APR-1400»، دخلت التشغيل التجاري الكامل في سبتمبر 2024، وأصبحت عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة الإماراتي.
وتذكر الدراسة أن إنتاج «براكة» من الكهرباء يساعد الإمارات على تقليل الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال، مع تقديرها أن المحطة أسهمت في تفادي انبعاث نحو 22.4 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، إلى جانب خفض الاعتماد على واردات الغاز بأكثر من 9 مليارات دولار وفق تقديراتها.
ومع ذلك، فإن التوسع المحتمل لا يعني بالضرورة الاكتفاء ببناء مفاعلات كبيرة على غرار «براكة». فالتوجه نحو المفاعلات الصغيرة والمتقدمة يعكس بحث الإمارات عن نماذج أكثر مرونة يمكن تكييفها مع احتياجات قطاعات محددة، مثل مراكز البيانات والموانئ والمناطق الصناعية والنائية.
استراتيجية وقود وشراكات دولية
ويترافق التوسع التقني مع توجه إماراتي للحفاظ على استراتيجية متنوعة لتأمين الوقود النووي. وكانت الإمارات قد وافقت، بموجب اتفاقية التعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة عام 2009، على التخلي طوعًا عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك محليًا، مع الاعتماد على إمدادات وقود دولية تخضع للرقابة والتنظيم.
وتشير الدراسة إلى أن هذا النموذج يتكامل مع توجه الإمارات إلى تنويع شراكاتها الدولية في المجال النووي، سواء من خلال التعاون في تقنيات المفاعلات أو الاستثمار والتمويل، بما يشمل شراكات مع جهات في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ورومانيا.
وتضع هذه التحركات البرنامج النووي الإماراتي في مرحلة تختلف عن مرحلة إنشاء «براكة»؛ فبينما ركزت المرحلة الأولى على توفير مصدر كبير ومستقر للكهرباء، تتجه المرحلة الجديدة إلى استكشاف استخدامات أكثر تنوعًا للطاقة النووية، من تشغيل مراكز البيانات ودعم الذكاء الاصطناعي إلى تشغيل الموانئ والصناعات الثقيلة وإنتاج وقود منخفض الكربون.
وبذلك، يبدو أن الرهان الإماراتي على الطاقة النووية يتجه من مجرد إضافة مصدر للكهرباء إلى بناء منظومة أوسع يمكن أن ترتبط بالبنية التحتية الرقمية والصناعية والنقل البحري، مع استمرار تقييم الجدوى التنظيمية والتقنية والاقتصادية للمفاعلات الصغيرة والمتقدمة.