"وول ستريت جورنال": واشنطن تراهن على الإمارات لخنق اقتصاد إيران
تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإمارات، ولا سيما دبي، للحد من قدرة إيران على الوصول إلى العملات الأجنبية وشبكات التجارة العالمية، في إطار حملة أميركية متصاعدة تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات، وتأتي هذه الاستراتيجية بعد إعلان أبوظبي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، عقب أسابيع من الضغوط الأميركية وتصاعد التوترات بين البلدين.
وترى صحيفة "وول ستريت جورنال" أن أهمية الخطوة الإماراتية تنبع من المكانة التي احتلتها دبي لسنوات باعتبارها بوابة رئيسية لإيران إلى الاقتصاد العالمي، ومركزًا مهمًا للاستيراد وإعادة التصدير والتحويلات المالية، وبذلك، فإن تشديد الرقابة على النشاط الإيراني في الإمارات يمكن أن يحرم طهران من أحد أهم منافذها الاقتصادية في وقت تواجه فيه تضخمًا مرتفعًا وعقوبات واضطرابات مرتبطة بالحرب.
الإمارات كانت تلتزم بحسن الجوار
تشير الصحيفة إلى أن الإمارات تعاملت بسياسة حسن الجوار مع إيران قبل الحرب، بل وكانت أكبر مصدر لواردات إيران، متقدمة على الصين، إذ وفرت أكثر من 30% من إجمالي الواردات الإيرانية، بقيمة تقارب 21 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية.
لكن هذا الأمر لم يمنع إيران من مهاجمة أهداف مدنية داخل الإمارات خلال الحرب الأخيرة على الرغم من عدم انخراط أبوظبي بها، ورغم أنها كانت تتعامل بنوايا حسنة مع طهران طيلة الفترة الماضية.
وبحسب التقرير، مارست إدارة ترامب خلال الأسابيع الماضية ضغوطًا لتشديد الإجراءات ضد الشبكات المالية الإيرانية، خصوصًا تلك المرتبطة بـ"الحرس الثوري" والكيانات الخاضعة للعقوبات.
وتعتقد واشنطن أن استهداف تدفقات الأموال المرتبطة بهذه الشبكات يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا على الاقتصاد الإيراني من الإجراءات العسكرية وحدها، لأنه يحد من قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية وتمويل تجارتها الخارجية.
وتزامنت الضغوط الأميركية مع تصاعد التوتر بين الإمارات وإيران، وقال مسؤولون إماراتيون إن إيران هاجمت سبع سفن إماراتية خلال الشهر الحالي، كما أطلقت طهران صاروخين باليستيين باتجاه الإمارات، قالت أبوظبي إنهما كانا يستهدفان حركة الملاحة البحرية وسقطا في البحر.
وفي هذا السياق، أعلنت الإمارات وقف المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، في خطوة تمثل تصعيدًا في العلاقة الاقتصادية بين البلدين، رغم الروابط التجارية والتاريخية التي جمعتهما لسنوات.
تحرك تدريجي
لكن "وول ستريت جورنال" تشير إلى أن الإجراءات الإماراتية لا تعني بالضرورة قطيعة شاملة ونهائية مع طهران، إذ تتعامل أبوظبي مع الملف باعتباره تصعيدًا تدريجيًا.
ومن المتوقع أن تبدأ الإجراءات بتشديد القيود على الشحن والبضائع، قبل الانتقال إلى خطوات أوسع ضد الكيانات المرتبطة بإيران، إذا استمرت هجمات «الحرس الثوري» على السفن.
ويعكس هذا النهج رغبة الإمارات في تحقيق هدفين متوازيين: الحد من التهديد الإيراني من جهة، والإبقاء على مساحة للتحرك الدبلوماسي من جهة أخرى.
كما يواجه صانعو السياسة الإماراتيون معضلة اقتصادية؛ فاستراتيجية الضغط الأقصى التي تتبناها واشنطن يمكن أن تؤثر في اقتصادات دول الخليج التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والسياحة والخدمات، وليس النفط وحده. كما أن تشديد الخناق الاقتصادي على إيران قد يدفع طهران إلى مزيد من التصعيد العسكري، وهو ما يهدد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
معضلة الشبكات الإيرانية
ويرى محللون أن القضاء الكامل على شبكات التمويل الإيرانية سيكون صعبًا، بسبب اعتمادها على شركات واجهة وهياكل مالية معقدة وحركة سفن صغيرة ومناطق حرة متعددة.
ونقلت الصحيفة عن إريك ألتر، عميد أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، أن الحكومة الإماراتية تستطيع إغلاق القنوات المصرفية الرسمية وتعطيل حركة الموانئ الرئيسية، لكن من الصعب أن تراقب كل شريك تجاري أو منطقة حرة أو حركة سفن صغيرة في الإمارات السبع.
اختبار للعلاقة مع إيران
وبذلك، تتحول الإمارات إلى نقطة محورية في الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران، فنجاح واشنطن في تقليص قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات لن يعتمد فقط على العقوبات الأميركية أو الحصار البحري، بل أيضًا على مدى قدرة أبوظبي على إغلاق القنوات التي استخدمتها إيران لسنوات للوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي المقابل، تواجه الإمارات اختبارًا دقيقًا يتمثل في التوفيق بين حماية أمنها القومي والحفاظ على مكانتها كمركز تجاري ومالي عالمي.
وتأتي الخطوة الإماراتية في وقت يصعّد فيه ترامب ضغوطه الاقتصادية على طهران، محذرًا الدول والشركات والمؤسسات المالية التي توفر لإيران ما وصفه بـ"شريان حياة" اقتصادي من تبعات اقتصادية كبيرة.
وفي هذا المشهد، تبرز دبي باعتبارها حلقة حاسمة في الاستراتيجية الأميركية للضغط على إيران، نظرًا إلى موقعها المحوري في حركة التجارة والتمويل الإقليمية، وما تتمتع به من قدرة على التأثير في تدفقات الأموال والسلع المرتبطة بالاقتصاد الإيراني.