"ذا نيويورك تايمز": السعودية على أعتاب مواجهة واسعة مع الحوثيين
تقترب السعودية من مواجهة عسكرية جديدة مع جماعة الحوثيين في اليمن، بعد أسابيع من الهجمات التي استهدفت سفنًا ومطارات ومنشآت نفطية سعودية، في تطور ينذر بإعادة فتح جبهة الصراع اليمني على نطاق واسع، وربما ربطها بصورة مباشرة بالتوتر الإقليمي المتصاعد مع إيران.
وقالت صحيفة "ذا نيويورك تايمز" في تقرير نشرته الخميس، إن السعودية تبدو وكأنها تستعد لاستئناف حرب واسعة ضد الحوثيين، مستندة إلى تقديرات محللين يرون أن سلسلة الهجمات الأخيرة دفعت الطرفين إلى حافة مواجهة شاملة، في وقت تتزايد فيه احتمالات اتساع رقعة الحرب الأميركية ضد إيران.
تصعيد متبادل
ويأتي التصعيد في أعقاب أسابيع من الهجمات الحوثية التي طالت أهدافًا مرتبطة بالسعودية، بينها سفن ومطارات ومنشآت نفطية، ما وضع الرياض أمام اختبار أمني جديد على حدودها الجنوبية.
وأعلن الحوثيون، في وقت سابق من هذا الأسبوع، مسؤوليتهم عن هجوم بصاروخ باليستي استهدف ناقلة نفط سعودية، إضافة إلى هجومين على قوات مدعومة من الرياض داخل الأراضي اليمنية.
وهدد المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، بالرد على أي تصعيد بمزيد من الضربات التي وصفها بأنها ستكون "أقوى وأكثر شدة"، في إشارة إلى استعداد الحوثيين لمواصلة المواجهة إذا قررت السعودية الانتقال إلى عمل عسكري واسع.
وترى الصحيفة أن قنوات الاتصال التي أبقت الرياض والحوثيين على تواصل لسنوات تبدو الآن وقد انهارت، الأمر الذي يقلص فرص التوصل إلى تسوية سياسية سريعة ويزيد مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.
ونقلت "ذا نيويورك تايمز" عن المحلل السياسي المتخصص في الشأن اليمني، محمد الباشا، قوله إنه لا يرى في الوقت الحالي مخرجًا سياسيًا واضحًا من الأزمة، مضيفًا أن الحرب باتت قادمة.
أهداف سعودية غير واضحة
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما الذي ستسعى السعودية إلى تحقيقه إذا قررت العودة إلى حرب شاملة مع الحوثيين.
وبحسب تحليلات أوردتها الصحيفة، فإن القضاء الكامل على الجماعة لا يبدو هدفًا واقعيًا، بالنظر إلى قدرتها العسكرية وترسخ نفوذها في مناطق واسعة من شمال اليمن، فضلًا عن الدعم الذي تحصل عليه من إيران.
وقد يكون الهدف السعودي المحتمل هو إضعاف الحوثيين عسكريًا، والضغط عليهم للعودة إلى طاولة المفاوضات، وصولًا إلى اتفاق ينهي الحرب اليمنية بشروط أكثر ملاءمة للرياض وحلفائها اليمنيين.
ويعكس هذا السيناريو رغبة سعودية محتملة في إعادة تشكيل ميزان القوى داخل اليمن، من دون الدخول في مشروع عسكري طويل الأمد يستنزف الموارد ويصعب حسمه.
تجربة 2015 تلقي بظلالها
وتواجه السعودية في حال التصعيد الجديد إرث تجربتها السابقة مع الحوثيين، عندما قادت في عام 2015 حملة عسكرية جوية ضد الجماعة بهدف دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
لكن العملية تحولت إلى حرب طويلة ومعقدة استمرت قرابة عقد، وانتهت دون تمكن التحالف من القضاء على الحوثيين، الذين عززوا سيطرتهم على معظم شمال اليمن.
وخلال سنوات الحرب، تكبد اليمن خسائر بشرية هائلة، إذ أودى الصراع بحياة مئات الآلاف نتيجة القتال والجوع والأمراض، كما تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وتجعل هذه التجربة أي قرار سعودي بالعودة إلى الحرب محفوفًا بحسابات عسكرية وسياسية وإنسانية معقدة، خصوصًا أن الحوثيين أثبتوا قدرتهم على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف أهداف بعيدة عن خطوط القتال التقليدية.
جبهة جديدة في حرب إيران
ولا تقتصر مخاطر المواجهة الجديدة على اليمن والسعودية، إذ يمكن أن تتداخل مع الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
فالـحوثيون يمثلون أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة، وقد استخدمت الجماعة خلال السنوات الماضية قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة لتهديد الملاحة والمنشآت الحيوية في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي عملية سعودية واسعة ضد الحوثيين قد تتحول إلى جبهة إضافية ضمن الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران، خصوصًا إذا قررت الجماعة توسيع نطاق هجماتها ردًا على العمليات السعودية.
ويضع ذلك الرياض أمام معادلة صعبة: فمن جهة، تحتاج إلى التعامل مع الهجمات التي تهدد أمنها ومصالحها الاقتصادية، ومن جهة أخرى، قد يؤدي الرد العسكري الواسع إلى توسيع دائرة الصراع وربط أمن المملكة مباشرة بمسار المواجهة الأميركية الإيرانية.
بين الرد العسكري والتسوية
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن مرحلة الهدوء النسبي التي شهدها الملف اليمني خلال السنوات الماضية أصبحت مهددة بالانهيار، مع تصاعد الهجمات وتراجع فرص الحوار.
وتبقى أمام السعودية خيارات عدة، تبدأ بتوجيه ضربات محدودة للضغط على الحوثيين، وصولًا إلى حملة عسكرية واسعة، فيما يظل المسار السياسي هو الخيار الأقل كلفة، لكنه يتطلب استعدادًا متبادلًا لتقديم تنازلات وإعادة فتح قنوات الاتصال.
وفي المقابل، يبدو الحوثيون مستعدين لاستخدام التصعيد العسكري لتحسين موقعهم التفاوضي، مستفيدين من قدراتهم العسكرية والدعم الإيراني، ومن صعوبة القضاء عليهم بالقوة.
وبينما تستعد السعودية على ما يبدو لاحتمال مواجهة جديدة، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بموعد اندلاع الحرب، وإنما بما إذا كانت الرياض قادرة هذه المرة على تحقيق أهدافها من دون الوقوع في مستنقع صراع طويل، أو تحويل اليمن إلى جبهة جديدة في حرب إقليمية أوسع.