اعتصام "قانون وكرامة" في دمشق.. مطالب معيشية وسياسية تصطدم بـ"التحريض والاعتداء"

سوريون متجمهرون في إحدى مناطق العاصمة دمشق، 17 أبريل 2026. (الإنترنت)

دمشق - خاص “جسور نيوز”

شهدت ساحة يوسف العظمة في دمشق، الجمعة 17 نيسان/أبريل، اعتصاماً سلمياً تحت عنوان “قانون وكرامة”، رفع خلاله المشاركون مطالب معيشية وعدلية وسياسية، من بينها مكافحة الفساد، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق السوريين. غير أن الاعتصام، الذي انطلق في أجواء هادئة، انتهى على وقع توترات ميدانية تخللتها اعتداءات لفظية وبدنية طالت عدداً من المشاركين، وذلك في ظل حملة تحريض وتشويه سبقته، قبل أن تتدخل قوات الأمن لاحقاً للفصل بين الأطراف واحتواء الموقف.

بداية سلمية واحتقان في محيط الساحة

وبحسب شهادات متقاطعة لمشاركين ومراقبين، بدأ المعتصمون بالتجمع قبل الموعد المعلن، حاملين لافتات مطلبية وأعلام الثورة/الدولة، من دون إطلاق هتافات في البداية، في حين تجمّع في محيط الساحة عدد من المعارضين للاعتصام من المؤيدين للسلطة، وسط حالة واضحة من الغضب والاحتقان، سبقتها، وفق روايات المشاركين، حملة تحريض وتشويه استمرت أياماً ضد الوقفة ومنظميها. وسرعان ما تطورت الأجواء إلى احتكاكات مباشرة، تخللتها اعتداءات لفظية وبدنية على بعض المعتصمين، قبل أن تتدخل القوى الأمنية لاحقاً للفصل بين الطرفين ومنع تفاقم الوضع.

الحق في الاعتصام لا يسقط بمحاولات الاستغلال

قال الناشط السياسي السوري معتصم السيوفي، في حديثه إلى “جسور نيوز”، إن الاعتصام يجب أن يُنظر إليه أولاً من زاوية الحق، مضيفاً أن “من حق الناس أن تعبّر سلمياً عن رأيها ومصالحها وأهدافها وشواغلها، وأن تعتصم بشكل علني، فالناس مارست حقها”.

وأضاف أن وجود “فلول أو مؤيدين سابقين للسلطة أو أشخاص عُرفوا بمواقفهم السيئة” حاولوا استغلال الاعتصام “لا ينفي الحق”، موضحاً أن الاعتصام “ينادي بالعدالة أساساً”، وإذا كان هناك من بين هؤلاء “من هو متورط بجرائم ضد السوريين، فمن المفترض أن تطاله العدالة”.

ووصف السيوفي الأجواء التي سبقت الاعتصام بأنها “حملة ترهيب شديدة ومبالغ فيها جداً”، شملت، بحسب تعبيره، “التشويه والتخويف والتخوين”، معتبراً أنه لم يكن هناك ما يبرر هذا المستوى من التعبئة، ما دام بالإمكان ترك الاعتصام يجري ضمن حق التعبير السلمي، مع قيام السلطة والقوى الأمنية بواجبها في الحماية.

حملات التخوين تعيد إنتاج لغة قديمة

وفي حديث لـ*“جسور نيوز”*، قال الكاتب والمشارك في الاعتصام عمار ديوب إن الاعتصام، من حيث المبدأ، “حق مشروع لأي مجموعة من الناس أن تعبّر عن رأيها وتطالب بحقوقها”، مضيفاً أن المطالب التي رُفعت، سواء المعيشية أو المتعلقة بالعدالة وإطلاق سراح المعتقلين، “هي مطالب وطنية بامتياز وتمس كل السوريين”.

ورأى ديوب أن محاولة نزع الشرعية عن الاحتجاج بسبب التوقيت أو بسبب وجود أطراف أخرى حاولت “ركوب الموجة” لا تبرر مصادرة حق الناس في التظاهر. كما وصف الحملة الإعلامية التي سبقت الاعتصام بأنها “مؤشر خطير”، معتبراً أن وصم أي تحرك مطلبي بأنه “مؤامرة” أو “مرتبط بالخارج” أو “بتحريك من الفلول” يعيد إنتاج لغة قديمة “ما عاد تنطلي على أحد”، على حد تعبيره.

وأضاف أن الناس “خرجت من وجعها، ومن فقرها، ومن إيمانها بأنه لا بد أن يتغير شيء في الواقع الحالي”.

اعتداءات على المشاركين وصحفية أثناء التغطية

في سياق التوتر الذي أحاط بالاعتصام، وثّقت شهادات ميدانية ومواد مصورة تعرض بعض المشاركين لاعتداءات لفظية وبدنية، كما تعرضت صحفية كانت توثق ما يجري للاعتداء أثناء أداء عملها.

وقالت الصحفية ميريلا أبو شنب، في منشور على صفحتها في “فيسبوك”، إنها تعرضت للضرب والإهانة وتحطيم هاتفها، مضيفة أنها عادت إلى منزلها وهي “ليست بخير”، وأن ما جرى “لا يُشرح ببوست”. كما أشارت إلى تعرضها لاحقاً لحملة على وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت اتهامات ومواد قالت إنها مزورة ولا تعود لها.

توثيق انتهاكات وملاحظات على إدارة المشهد

منظمة “العدالة للجميع”، التي أوفدت فريقاً لمراقبة الاعتصام، قالت في بيان أولي إن المشاركين في الوقفة تعرضوا لمضايقات وانتهاكات شملت اعتداءات لفظية وبدنية، مؤكدة توثيق اعتداء مباشر على صحفية كانت تقوم بالتغطية الميدانية، بما في ذلك ضربها وتحطيم هاتفها.

وأضافت المنظمة أن عناصر من الأمن العام أوقفوا الشخص المعتدي، وأُبلغت الصحفية بضرورة تقديم شكوى رسمية، إلا أن المعلومات المتقاطعة التي جمعتها تشير إلى إطلاق سراحه بعد وقت قصير، ما يثير، بحسب البيان، تساؤلات بشأن آلية التعامل مع مثل هذه الاعتداءات.

كما تحدث البيان عن قصور في الإجراءات التنظيمية والأمنية في الساعات الأولى من الاعتصام، شمل عدم ضبط محيط الساحة بشكل كاف، وعدم منع مصادر التهديد والاحتكاك، إضافة إلى قلة عدد عناصر الأمن المكلفين بالحماية قياساً بحجم الحدث.

التحريض أساء إلى صورة السلطة

بدوره، قال المحامي ميشيل شماس لـ*“جسور نيوز”* إن ساحة يوسف العظمة شهدت “اعتصاماً سلمياً عبّر فيه المواطنون عن مطالب معيشية مشروعة”، معتبراً أن ما وقع من اعتداءات لفظية وجسدية من بعض مؤيدي الحكومة السورية هو “أمر مرفوض ويسيء إلى صورة الحكومة التي يدافعون عنها”.

وأضاف شماس أن مسؤولية ما جرى تقع، بالدرجة الأولى، على “بعض ناشطي ومثقفي السلطة الذين اختاروا التحريض بدل التهدئة”، مشيراً إلى أنه إذا كان يُحسب لقوات الأمن أنها تدخلت لحماية المعتصمين والفصل بين الطرفين ومنع تطور الأمور، فإن ذلك “لا يلغي أنه كان يجب عليها تأمين منطقة الاعتصام منذ البداية، وإغلاقها خلال ساعة الاعتصام، وحمايتها من أي تدخل محتمل”.

ورأى أن هذا هو الدور الذي يُفترض أن تضطلع به القوى الأمنية، أي حماية حق الناس في التظاهر والاعتصام السلميين، وضمان سلامة المشاركين، بمن فيهم الصحفيون والإعلاميون الذين يغطون هذه الفعاليات. وختم بالقول إن “باب الحرية الذي فتحه إسقاط نظام الأسد الإجرامي يجب أن نحافظ عليه اليوم، وألا نسمح لأحد بإغلاقه مجدداً، ولا أن نسمح لسلوكيات فردية أن تعيدنا إلى الوراء، إلى زمن القمع”.

دور الأمن بين الحماية اللاحقة والقصور الوقائي

في المقابل، أجمعت شهادات المشاركين والمراقبين على أن تدخل قوى الأمن في مرحلة لاحقة أسهم في الفصل بين الطرفين ومنع تطور الوضع إلى مستوى أشد خطورة.

ورأى السيوفي أن التركيز يجب ألا ينحصر في مشهد فض الاعتصام أو في توجيه التحية لقوى الأمن، رغم إقراره بأنها “قامت بواجبها في حماية المعتصمين رغم بعض التجاوزات”، بل يجب أن يمتد إلى جوهر المطالب التي رُفعت خلال الوقفة.

أما ديوب، فاعتبر أن الطريقة التي جرى بها التعامل مع الاعتصام وما سبقه من ترهيب تكشف استمرار “عقلية أمنية رافضة لأي شكل من أشكال التعبير المدني السلمي”، مضيفاً أن المطلوب كان فتح باب الحوار والنقاش حول المطالب، لا ترك الأمور تنزلق إلى التحريض والاعتداء.

مطالب تتجاوز الساحة إلى النقاش العام

بحسب السيوفي، فإن أهمية الاعتصام لا تتوقف عند ما جرى في الساحة، بل تمتد إلى كونه فتح الباب أمام تداول واسع للمطالب التي رفعها المشاركون. وقال إن “المطالب العشرين تُناقش اليوم في كل بيت سوري”، سواء من كانوا مع الاعتصام أو ضده، معتبراً أن ذلك يحمل دلالة واضحة على عمق الأزمة واتساع دائرة الأسئلة المتعلقة بالمعيشة والعدالة والمشاركة السياسية.

وأضاف أن ما جرى يعكس حاجة إلى إعادة النظر في المسار السياسي القائم، بدءاً من عملية الحوار الوطني، وصولاً إلى إشراك الناس في نقاش قضاياهم ومصيرهم، معتبراً أن الاعتصام “وسيلة وليس غاية”.

دعوات إلى الانفتاح السياسي والتحقيق في الانتهاكات

من جهته، رأى ديوب أن “الحل ليس بإسكات الناس أو إزالة الخيام”، بل بالاعتراف بوجود أزمة عميقة، وبالحاجة إلى انفتاح سياسي حقيقي، ومواجهة الفساد، وتحقيق العدالة، بدلاً من الهروب إلى الأمام عبر خطاب المؤامرة.

وفي ختام بيانها، أكدت منظمة “العدالة للجميع” أن التجمع السلمي وحرية التعبير والعمل الصحفي حقوق أساسية يجب صونها، وأن التحريض المسبق ضد أي تجمع مدني يخلق بيئة عدائية تزيد من احتمالات العنف. ودعت المنظمة إلى فتح تحقيق مستقل وجدي في جميع الانتهاكات التي تعرض لها المشاركون والصحفيون خلال الاعتصام، مؤكدة أنها ستصدر قريباً تقريراً حقوقياً مفصلاً يتضمن توثيقاً أوسع للوقائع والانتهاكات والمسؤوليات.

Next
Next

الصحفي زيد مسطو: أميركا تريد الخروج نهائيا من سوريا لذلك أحرقت معدات عسكرية في قاعدة "قسرك"