من الخلافات إلى التكاتف.. ضربات إيران تُوحّد دول الخليج
قالت جريدة "وول ستريت جورنال" إن سلسلة الضربات الإيرانية أدت إلى تغيير جذري في الموقف السياسي والأمني لدول الخليج العربي، بعد أن كانت المنطقة حتى وقت قريب على شفا الوقوع في صراع داخلي، لكن جاءت هذه الهجمات لتوحد صفها ضد خطر خارجي.
وأضافت الجريدة، في تقرير، أنه بعد انطلاق العملية العسكرية الأمريكية ‑ الإسرائيلية التي أدت في ضربتها الأولى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، ردت إيران بإطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على دول الجوار في المنطقة، بدعوى استهداف الضربات مواقع للقوات الأمريكية وقواعد عسكرية في دول الخليج مثل الإمارات والسعودية والكويت والبحرين، إضافة إلى قطر وعمان والأردن.
القادة في طهران بدا أنهم يعتقدون أن ضرب البلدان الغنية في الخليج، خاصة تلك التي تربطها علاقات وثيقة مع واشنطن، من شأنه أن يضاعف الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها للتراجع عن هجومهم، لكن هذه الحسابات انقلبت على إيران نفسها، إذ أن دول الخليج بدلاً من التراجع أمام الضغوط أصبحت أكثر عزماً على مواجهة ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها وسيادتها.
وفي الإمارات، أكد مستشار الرئاسة الإماراتية أن الضربات الإيرانية تمثل «خطأً استراتيجياً قصير النظر»، وأنها **وضعت دول الخليج في مواجهة مباشرة مع تهديد إيراني لم يعد يمكن تجاهله». تصريحاته حملت إشارات واضحة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي لن تكتفي بالدفاع عن أراضيها وحسب، بل ستبحث في خيارات أوسع لحماية مصالحها وأمنها الإقليمي.
ضغوط اقتصادية وأمنية تزيد من إحساس الخطر
الهجمات الإيرانية لم تقتصر على المواقع العسكرية، بل شملت أيضًا البنى التحتية الحيوية مثل المطارات والموانئ، ما أثّر بشكل مباشر على الحركة الاقتصادية والسياحية في المنطقة. في الإمارات وحدها، استخدمت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة في هجماتها، ما أوقع خسائر في الأرواح والممتلكات، رغم أن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراض معظمها.
تأثير هذه الهجمات على نشاط النفط العالمي والتجارة الإقليمية كان واضحاً: تعطّلت حركة النقل الجوي في بعض المطارات، وأدى القلق من استمرار تعرض البنى التحتية لهجمات إلى تراجع مؤقت في النشاط السياحي والتجاري. هذا الواقع يزداد حدة في دول تعتمد بشكل كبير على الاستثمار الأجنبي والعمالة الوافدة، مثل الإمارات والكويت.
وبسبب هذا التهديد المتصاعد، بدا التحول في مواقف دول الخليج واضحاً، من سعي للحفاظ على الاستقرار والابتعاد عن الحرب إلى قرار ضرورة مواجهة ما بات يُنظر إليه كتهديد وجودي، وهو ما ظهر في التصريحات الرسمية وفي الاجتماعات العاجلة لوزراء خارجية دول مجلس التعاون التي طالبت طهران بوقف هجماتها، مع الإبقاء على حقها في «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية أراضيها، بما في ذلك خيار الرد».
التحوّل الخليجي من الحياد إلى المواجهة المدروسة
التحوّل في الموقف الخليجي لا يقتصر على موقف واحد أو دولة محددة، بل بدا كـ تنسيق أمني وجيوسياسي أوسع. السعودية والإمارات، اللتان كانتا في خلاف دبلوماسي قبل الأزمة، أظهرتا توحداً في وجه ما تعتبرانه تحدياً لأمن المنطقة، فيما قطر وقطاعات أخرى في المجلس دعت أيضاً إلى وقف الهجمات الإيرانية وإدانتها بشدة، في إشارة إلى وحدة موقف خليجي أكبر.
كما أن دول الخليج بدأت تنظر إلى خيارات استراتيجية للدفاع الذاتي قد تشمل تدابير أكثر حسماً ضد قدرات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من الأراضي الإيرانية، وهو تحول واضح عن السياسات السابقة التي اعتمدت على الحلول الدبلوماسية أو التعاون مع إيران لتخفيف التوتر.
ردود الفعل الدولية وتداعيات أوسع للصراع
على المستوى الدولي، رغم وجود خلافات مع واشنطن حول بعض السياسات الأمريكية، بدأت مواقف بعض العواصم الغربية بالتحول نحو دعم الإجراءات الدفاعية لدول الخليج، خصوصاً بعد محاولات الهجمات الإيرانية الوصول إلى مناطق في البحر المتوسط. تأتي هذه المواقف في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى حماية مصالحها في المنطقة دون أن تُدخل نفسها بشكل مباشر في النزاع.
أما إيران، فقد دافعت عن هجماتها باعتبارها «رداً مشروعاً» على الهجوم الأمريكي‑الإسرائيلي، إلا أن هذه المواقف لم تُقنع الكثير من القادة الإقليميين، الذين يرون أن استهداف البنى التحتية الحيوية والمدنية في دول الجوار تجاوز حدود الرد العسكري التقليدي.
خلاصة: من تصعيد إقليمي إلى موقف خليجي موحّد
في غضون أيام قليلة، تحول التصعيد العسكري في المنطقة من صراع محدود بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى صراع أوسع أظهر تسارعاً في تكتل دول الخليج ضد التهديدات الإيرانية المباشرة. هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة لم تُضعف عزيمة هذه الدول فقط، بل دفعتها إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية والتحالفات الإقليمية، في وقت باتت فيه المخاطر على استقرارها الاقتصادي والسياسي أعلى من أي وقت مضى.