من كوسوفو إلى طهران.. القوة الجوية وحدها لا تكفي لتغيير الأنظمة
قالت جريدة "وول ستريت جورنال" إن الحملة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران تمثل "تجربة جديدة لاختبار حدود القوة الجوية"، حيث تأتي الغارات الجوية على مواقع استراتيجية في طهران ومدن أخرى، ضمن خطط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأجل الإطاحة بالنظام الإيراني.
لكن التاريخ العسكري الحديث يُظهر أن الطائرات والصواريخ والقنابل لم تكن قط كافية لإحداث تغيير كامل في الحكومات بدون دعم على الأرض، سواء من القوات المحلية أو الحلفاء الإقليميين، وهو ما تؤكده التحليلات العسكرية الحديثة للجريدة.
الحدود التاريخية للقوة الجوية
لم تكن الضربات الجوية وحدها كافية في أي صراع تاريخي لتحقيق تغيير النظام. فحتى في الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن الغارات الجوية الأمريكية على اليابان كانت مدمرة، إلا أن استسلام اليابان جاء فقط بعد استخدام الأسلحة النووية، بالإضافة إلى الضغوط البرية والسياسية. كذلك، خلال عملية "عاصفة الصحراء" في الكويت عام 1991، أثبتت الولايات المتحدة أن الحملات الجوية المكثفة كانت قادرة على تحييد القوات العراقية وإضعاف قدراتها، لكنها لم تنتهِ إلا بعد أربعة أيام من الحرب البرية، رغم فاعلية الضربات الجوية في تدمير البنية التحتية العسكرية العراقية.
التاريخ الحديث يقدم أمثلة إضافية على أن القوة الجوية وحدها غير كافية لتغيير الأنظمة. في حرب كوسوفو عام 1999، كان للضربات الجوية الأمريكية والناتو دور فعال في ردع الجيش اليوغوسلافي، لكن نجاح العملية كان يعتمد على المقاومة البرية لفصائل كوسوفو المحلية، وكذلك التهديد بإرسال قوات بريّة من المملكة المتحدة وغيرها من الدول. وفي ليبيا عام 2011، ساهمت الضربات الجوية للتحالف الدولي في إنهاء حكم العقيد معمر القذافي، لكن هذه العملية كانت ممكنة بفضل دعم القوات المعارضة على الأرض، والتي لعبت دورًا محوريًا في استكمال عملية الإطاحة بالنظام.
الواقع الإيراني: قوة النظام ومتانته
تختلف إيران عن أي من الحالات السابقة، حيث يمتلك النظام هياكل معقدة لضمان استمراره في مواجهة الضغوط الخارجية. الحرس الثوري الإيراني الذي تأسس عام 1979 يضم نحو 190 ألف جندي، فيما تضم القوات المسلحة التقليدية أكثر من 300 ألف جندي، إلى جانب 600 ألف عنصر من ميليشيات الباسيج القادرة على التعبئة السريعة. هذه البنى تمنح النظام قدرة كبيرة على مواجهة أي تهديدات خارجية، وتقلل من احتمالات انهياره تحت الضربات الجوية وحدها، كما يشير تقرير وول ستريت جورنال.
بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، قام النظام الإيراني بسرعة بتعيين ابنه مجتبى خامنئي كقائد جديد، ما يظهر قدرة النظام على الانتقال السلس للقيادة والتكيف مع الصدمات. الخبراء العسكريون يشيرون إلى أن أي مؤشر على ضعف النظام لن يظهر بسهولة؛ حيث أن عناصر الحرس الثوري والأركان العليا المستفيدة من الوضع الراهن تفضل المواجهة على الانشقاق، مما يجعل سقوط النظام عبر الضربات الجوية مباشرة أمراً بعيد الاحتمال.
الأهداف الأمريكية والإسرائيلية مقابل الواقع العسكري
الحملة الأمريكية والإسرائيلية ركزت على إضعاف القدرات العسكرية لإيران، بما يشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والسفن الحربية، دون تقديم دعم مباشر للمعارضة الداخلية. تصريحات قيادات أمريكية مثل الأدميرال براد كوبر، رئيس القيادة المركزية الأمريكية، أكدت أن الهدف من الضربات هو الحد من تهديد إيران لأمريكا وحلفائها، وليس الإطاحة بالنظام الإيراني مباشرة.
تباينت أهداف إسرائيل عن الولايات المتحدة، حيث استهدفت العمليات الإسرائيلية شخصيات قيادية رئيسية، بما في ذلك العملية التي أسفرت عن مقتل علي خامنئي، وهي عمليات قالت واشنطن إنها "عمليات إسرائيلية" وفق ما ذكره تقرير وول ستريت جورنال. هذه التباينات توضح الصعوبة في تنسيق الأهداف بين الشركاء، خصوصًا عندما يكون هناك طموح سياسي للإطاحة بنظام متين ومعقد البنية.
الدروس من الحملات الجوية السابقة
الاعتماد على القوة الجوية وحدها لتحقيق تغيير سياسي يمثل تحديًا تاريخيًا. الجنرال الإيطالي جوليّو دوهت، في كتابه الشهير "قيادة الجو" عام 1921، كان يعتقد أن قصف المراكز الحيوية للدولة مثل الصناعة والاتصالات والحكومة من شأنه تحطيم إرادة الشعب وإجبار الحكومة على الاستسلام. لكن التاريخ أثبت أن هذه النظرية لم تنجح إلا جزئيًا، إذ أن الانتصارات الكبرى دائمًا ما كانت تتطلب تضافر القوى الجوية مع جهود برية أو دعم محلي.
في العقود الأخيرة، مع ظهور تقنيات التخفي والصواريخ الموجهة بدقة، أعادت الولايات المتحدة النظر في استخدام الضربات الجوية كأداة حاسمة في الحروب التقليدية. في عمليات "عاصفة الصحراء" و"كوسوفو" و"ليبيا"، كانت الضربات الجوية جزءًا مهمًا من الاستراتيجية، لكنها لم تُحدث تغييرًا جذريًا في الأنظمة بدون دعم أرضي. الخبراء مثل كلي غريكو من مركز ستيمسون يشيرون إلى أن فعالية القوة الجوية تتضاعف عندما تكون جزءًا من قوة مشتركة تشمل الأرض، لأن ذلك يجبر العدو على تركيز قواته في نقاط محددة، مما يجعلها أهدافًا للغارات الجوية.
سيناريوهات محتملة لإيران
تطرح الحملة الجوية الحالية على إيران عدة سيناريوهات. أولها، أن ينهار جزء من النظام مع بقاء البنية الأساسية قائمة، ما يخلق فوضى محتملة في بلد يضم أكثر من 90 مليون نسمة ويطل على أهم طرق شحن الطاقة في العالم. السيناريو الثاني هو استمرار النظام مع تقلص قدراته العسكرية، ما يفرض على واشنطن وإسرائيل اختيارًا صعبًا: إما الاستمرار في الحملة الجوية لتقليل التهديدات، أو توسيع العمليات لتشمل دعم فصائل داخلية، بما في ذلك التفكير في مشاركة القوات الكردية في العراق، وهو خيار تم استبعاده جزئيًا بسبب التعقيدات السياسية والعسكرية.
الخبراء يؤكدون أنه مهما بلغت القوة الجوية من فاعلية، فإن العملية السياسية ضرورية لإحداث تغيير حقيقي. أي حكومة جديدة تحتاج إلى قيادة فعالة يمكنها ملء الفراغ وإدارة الدولة، وهو ما لن يتحقق بمجرد الضربات الجوية، كما توضح التحليلات العسكرية في تقرير وول ستريت جورنال.
خاتمة
من كوسوفو إلى طهران، تقدم التجارب التاريخية درسًا واضحًا: القوة الجوية أداة فعالة لإضعاف العدو، لكنها ليست كافية لتغيير الأنظمة. كل تجربة سابقة، سواء في كوسوفو أو ليبيا أو العراق، أظهرت أن النجاح يتطلب تضافر القوة الجوية مع دعم برّي أو شريك محلي قادر على السيطرة على الأرض. الحملة الجوية الحالية على إيران لا تشذ عن هذا الدرس؛ فهي قادرة على إضعاف القدرات العسكرية للنظام، لكنها لن تُحدث تغييرًا جذريًا في السلطة السياسية ما لم يُرافقها تحرك سياسي أو عسكري على الأرض.
في النهاية، كما يخلص تقرير وول ستريت جورنال، تبقى القوة الجوية أداة حاسمة لكنها محدودة، وما لم يتوفر عنصر الأرض الفاعل أو دعم داخلي قوي، فإن تغيير الأنظمة سيظل خارج متناول الطائرات والصواريخ وحدها.