"نيويورك تايمز": نجاد التقى سرا بعناصر استخبارات إسرائيلية في بودابست

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" تفاصيل عملية استخباراتية إسرائيلية سرية استمرت لسنوات واستهدفت الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي عُرف خلال فترة حكمه بمواقفه المتشددة تجاه إسرائيل ودعمه تسريع البرنامج النووي الإيراني.

ووفقًا للتحقيق، لم تقتصر العملية على جمع المعلومات، بل تضمنت محاولات لبناء علاقة مع أحمدي نجاد تمهيدًا للاستفادة منه في مرحلة لاحقة ضمن سيناريوهات تغيير النظام في إيران.

بدأت إحدى أبرز محطات هذه العملية في عام 2024 داخل العاصمة المجرية بودابست، عندما تلقى رئيس جامعة لودوفيكا للخدمة العامة، غيرغيلي ديلي، طلبًا غير معتاد من مسؤول حكومي مجري رفيع المستوى. وتمثل الطلب في تنظيم مؤتمر أكاديمي حول التغير المناخي، مع توجيه دعوة إلى محمود أحمدي نجاد للمشاركة فيه.

غير أن المسؤول المجري، وفقًا لرواية رئيس الجامعة، أوضح أن المؤتمر لم يكن سوى غطاء لترتيب لقاءات سرية بين أحمدي نجاد وعناصر من الاستخبارات الإسرائيلية. وقال ديلي للصحيفة إنه كان يدرك أن استضافة أحمدي نجاد قد تثير انتقادات وتضر بسمعة الجامعة، لكنه وافق على الأمر انطلاقًا من اعتقاده بأن أي فرصة للحوار بين خصمين قد تسهم في تجنب مزيد من الصراعات.

وأضاف التحقيق أن أحمدي نجاد عاد إلى الجامعة في زيارة ثانية خلال عام 2025، في إطار استمرار الاتصالات السرية، التي قالت الصحيفة إنها كانت جزءًا من جهد إسرائيلي طويل الأمد لاستمالته وتحويله إلى مصدر استخباراتي يمكن الاعتماد عليه إذا سنحت فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران.

واستندت "نيويورك تايمز" في هذه الرواية إلى مسؤولين أميركيين وإيرانيين مطلعين على تفاصيل العملية، تحدثوا إليها شريطة عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية الملف. ولم يقدم التقرير وثائق أو تسجيلات علنية تثبت تلك اللقاءات، كما لم يصدر تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية أو السلطات الإيرانية بشأن ما ورد في التحقيق حتى الآن.

ويأتي هذا الكشف بعد أشهر من تقارير إعلامية تحدثت عن تصاعد الأنشطة الاستخباراتية المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وإيران، والتي شملت، بحسب تقارير غربية، عمليات اغتيال واستهداف لمنشآت عسكرية ونووية، فضلًا عن جهود لجمع المعلومات من داخل إيران. ويرى مراقبون أن التحقيق يعكس جانبًا من طبيعة المواجهة غير المعلنة بين الطرفين، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على العمل الاستخباراتي والعمليات السرية.

ويكتسب التقرير أهمية خاصة بالنظر إلى شخصية أحمدي نجاد، الذي تولى رئاسة إيران بين عامي 2005 و2013، واشتهر بخطابه الحاد تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، كما ارتبط اسمه بتسريع البرنامج النووي الإيراني خلال فترة رئاسته. وبعد مغادرته المنصب، دخل في خلافات مع بعض مراكز النفوذ داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، ووجه انتقادات متكررة لسياسات الحكومة، ما دفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأنه يسعى إلى استعادة دور سياسي في المستقبل.

ورغم ذلك، فإن المزاعم التي أوردها التحقيق تمثل تحولًا لافتًا إذا ثبتت صحتها، إذ تتناقض مع الصورة التي ارتبطت بأحمدي نجاد لسنوات باعتباره أحد أكثر السياسيين الإيرانيين تشددًا في مواجهة إسرائيل. إلا أن خبراء يشيرون إلى أن عالم الاستخبارات شهد عبر التاريخ حالات عديدة جرى فيها التواصل سرًا مع شخصيات معروفة بمواقفها العدائية، في إطار محاولات لاستثمار الخلافات الداخلية أو بناء قنوات اتصال غير معلنة.

كما يسلط التحقيق الضوء على دور دول ثالثة في استضافة مثل هذه اللقاءات السرية. فاختيار بودابست، بحسب الصحيفة، لم يكن عشوائيًا، بل جاء في إطار توفير بيئة مناسبة لإجراء اتصالات بعيدة عن الأنظار تحت غطاء نشاط أكاديمي، وهو أسلوب استخدمته أجهزة استخبارات مختلفة في مناسبات سابقة لتسهيل لقاءات يصعب عقدها بصورة مباشرة.

وفي جانب آخر من التحقيق، أشارت الصحيفة إلى أن الجهود الإسرائيلية بلغت ذروتها خلال الأيام الأولى من الحرب الأخيرة، عندما حاولت إسرائيل، بحسب المسؤولين الذين تحدثوا إليها، نقل أحمدي نجاد إلى منزل آمن تابع لها، إلا أن الخطة لم تنجح وانتهت بالفشل، من دون أن تكشف الصحيفة أسباب تعثر العملية أو مصيرها النهائي.

ومع غياب أي تأكيد رسمي من الأطراف المعنية، تبقى المعلومات الواردة في تحقيق «نيويورك تايمز» في إطار ما نقلته مصادر مطلعة للصحيفة، وهو ما يجعلها جزءًا من رواية إعلامية لم تخضع بعد للتحقق المستقل. ومع ذلك، فإنها تقدم صورة عن حجم التعقيد الذي يحيط بالصراع الخفي بين إسرائيل وإيران، والذي لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى ساحات العمل الاستخباراتي ومحاولات التأثير في موازين القوى داخل الجمهورية الإسلامية.

Previous
Previous

قوى الأمن الداخلي بحماة تعيد الفتاة غزل الحاج لعائلتها بعد أن غادرت منزلها برفقة أحد الشبان إلى دمشق

Next
Next

أول ظهور لفضل شاكر بعد خروجه من السجن