بعد وعوده لترامب.. هل ينجح الزيدي في تقليص نفوذ إيران بالعراق؟

دخل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي البيت الأبيض حاملاً رسائل سياسية أراد من خلالها طمأنة الإدارة الأميركية بشأن قدرة حكومته على معالجة أحد أكثر الملفات حساسية في العراق، وهو نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وشبكات الفساد التي ساهمت، وفق منتقدين، في تعزيز نفوذ طهران داخل مؤسسات الدولة.

وقبل زيارته إلى واشنطن، حاول الزيدي تقديم مؤشرات على توجه حكومته نحو تعزيز سلطة الدولة، من خلال الإعلان عن خطوات تتعلق بنزع سلاح عدد من الفصائل ودمج مقاتلين ضمن المؤسسات الأمنية، إلى جانب إطلاق حملة لمكافحة الفساد، إلا أن هذه التحركات تواجه اختبارًا صعبًا، إذ يرى مراقبون أن نفوذ إيران في العراق لا يرتبط فقط بوجود جماعات مسلحة، بل يمتد إلى شبكة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، حسب تقرير حديث لمركز الدفاع عن الديمقراطيات الأميركي.

رسائل إلى واشنطن

سعى الزيدي خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إظهار أن حكومته قادرة على اتخاذ خطوات تتوافق مع أولويات واشنطن، خصوصًا فيما يتعلق بالحد من نفوذ الجماعات المدعومة من إيران.

وتنظر الإدارة الأميركية إلى الميليشيات العراقية المرتبطة بطهران باعتبارها أحد أبرز مصادر النفوذ الإيراني الإقليمي، خاصة أن بعض هذه الجماعات مصنفة من قبل الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية، كما لعب بعضها أدوارًا في هجمات استهدفت مصالح أميركية في المنطقة.

ويرى تحليل صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن إعلان الزيدي عن تحقيق تقدم في ملف نزع السلاح ومكافحة الفساد يمثل محاولة لإثبات استقلال حكومته، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن هذه الخطوات لا تزال بحاجة إلى أدلة عملية تثبت قدرتها على تغيير الواقع القائم.

معضلة الفصائل المسلحة

كان ملف الميليشيات أبرز اختبار أمام حكومة الزيدي، بعد إعلان عدد من الفصائل استعدادها لتسليم أسلحتها للدولة والانخراط في المؤسسات الأمنية.

ومن بين هذه الجماعات «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، إضافة إلى «سرايا السلام» التابعة للتيار الصدري، حيث رحبت الحكومة العراقية والجانب الأميركي بهذه الإعلانات باعتبارها خطوة نحو تعزيز احتكار الدولة للسلاح.

لكن الأسئلة بشأن طبيعة هذا التحول لا تزال قائمة، خصوصًا حول مصير الأسلحة التي سيتم تسليمها، والجهة التي ستشرف على عملية الدمج، وما إذا كانت هذه الجماعات ستتخلى فعليًا عن استقلالها العسكري أم ستعيد تنظيم وجودها تحت مظلات رسمية.

وتكمن إحدى أبرز الإشكاليات في ارتباط عدد من هذه الفصائل بهيئة الحشد الشعبي، وهي مؤسسة أمنية رسمية تضم جماعات ذات توجهات مختلفة، بينها فصائل قريبة من إيران. ويرى منتقدون أن بقاء هذه البنية دون إصلاحات عميقة قد يسمح باستمرار النفوذ المسلح خارج السيطرة الكاملة للحكومة.

مستقبل الحشد الشعبي

لا يتعلق الجدل فقط بنزع السلاح، بل بمستقبل الحشد الشعبي ودوره داخل الدولة العراقية. فبينما تؤكد الحكومة العراقية أهمية المؤسسة باعتبارها جزءًا من المنظومة الأمنية، يرى خصوم الفصائل المدعومة من إيران أن بعض مكوناتها تحولت إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري لطهران.

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات قادة بعض الفصائل شكوكًا حول مدى استعدادها لقبول تغيير جذري. فقد دافع قادة بارزون عن استمرار الحشد الشعبي وطالبوا بتعزيز وضعه القانوني، معتبرين أن وجوده يمثل ضمانة أمنية للعراق.

ويرى محللون أن نجاح الزيدي لن يقاس بالإعلانات السياسية، بل بقدرته على فرض تسلسل قيادي واضح داخل المؤسسات الأمنية ومنع أي جماعة مسلحة من التحرك خارج قرارات الدولة.

الفساد.. المعركة الثانية

إلى جانب ملف السلاح، وضع الزيدي مكافحة الفساد ضمن أولوياته أمام واشنطن، معلنًا عن حملة اعتقالات طالت مسؤولين وشخصيات مرتبطة بالحكومة السابقة.

لكن هذا الملف يحمل تحديات مشابهة، إذ شهد العراق خلال السنوات الماضية العديد من الحملات التي رفعت شعار مكافحة الفساد، لكنها غالبًا ما تحولت إلى صراعات سياسية تستهدف خصوم الحكومة القائمة دون معالجة جذور المشكلة.

ويرى التقرير أن مصداقية حملة الزيدي ستتوقف على مدى قدرتها على الوصول إلى شبكات الفساد المرتبطة بمراكز النفوذ الكبرى، بما فيها الجهات القريبة من إيران، وليس الاكتفاء بملاحقة شخصيات فقدت مواقعها السياسية.

بين واشنطن وطهران

يواجه الزيدي معادلة معقدة؛ فهو يسعى إلى تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة اقتصاديًا وسياسيًا، لكنه يعمل داخل بيئة عراقية ما زالت ترتبط بعلاقات قوية مع إيران على المستويات الدينية والسياسية والأمنية.

وجاءت زيارة جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي إلى المدن الدينية العراقية، النجف وكربلاء، قبل دفنه، لتسلط الضوء على استمرار الحضور الإيراني داخل العراق، سواء عبر العلاقات الدينية أو شبكات النفوذ السياسي.

ويرى مراقبون أن تقليص النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع طهران، بل إعادة تنظيم العلاقة بحيث تكون الدولة العراقية صاحبة القرار الأول في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

اختبار طويل

رغم الترحيب الأميركي الأولي بخطوات الزيدي، فإن تحويل الوعود إلى واقع سيكون مهمة طويلة ومعقدة. فالفصائل المسلحة والفساد والنفوذ الخارجي ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من منظومة تشكلت خلال سنوات طويلة.

وسيكون التحدي الأكبر أمام رئيس الوزراء العراقي هو إثبات أن حكومته لا تكتفي بإرسال رسائل سياسية إلى واشنطن، بل تمتلك القدرة على تنفيذ إصلاحات حقيقية تعيد للدولة احتكار القرار الأمني والسياسي.

وبينما تراهن واشنطن على إمكانية تغيير معادلة النفوذ في العراق، تدرك بغداد أن أي مواجهة مباشرة مع القوى المرتبطة بإيران تحتاج إلى توازن دقيق، يحافظ على الاستقرار الداخلي ويمنح الحكومة مساحة للتحرك.

لذلك، فإن نجاح الزيدي في تقليص نفوذ إيران لن يتحدد خلال زيارة واحدة إلى البيت الأبيض، بل بما ستكشفه الأشهر المقبلة من قدرة حكومته على تحويل التعهدات إلى إجراءات ملموسة داخل العراق.

Next
Next

سوق البزورية..نبض دمشق العطري والتاريخي