دون ضجيج إعلامي.. ترامب يعد تسوية إقليمية عبر لبنان وسوريا
بعيدا عن ملف الحرب في غزة الذي يشغل الإعلام حول العالم، كشفت تقارير إعلامية أميركية عن تحركات لإدارة الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط أيضا، لكن تخص بالتحديد كلا من سوريا ولبنان.
هذه "الجهود الدبلوماسية الصامتة"، وفق ما نشره موقع "أكسيوس" الأميركي، تحمل في طياتها احتمالات تسوية إقليمية قد تعيد رسم مشهد الإقليم في حال نجحت، خصوصاً مع دخول شخصيات جديدة إلى السلطة في البلدين بعد تحولات دراماتيكية أنهت حقبة طويلة من الصراع الداخلي والإقليمي.
رهانات على قيادات جديدة
يشير تقرير "أكسيوس" إلى أنّ إدارة ترامب قررت منح دعم قوي لقيادتين صاعدتين في المنطقة: الأولى في سوريا حيث وصل إلى السلطة الرئيس أحمد الشرع، "وهو شخصية ذات خلفية عسكرية–جهادية سابقة تحولت إلى العمل السياسي بعد سقوط نظام بشار الأسد؛ والثانية في لبنان مع انتخاب الرئيس جوزيف عون، القائد السابق للجيش اللبناني، عقب مرحلة انتهت فيها سطوة حزب الله بعد هزيمته أمام إسرائيل".
هذا التحول في المشهد السياسي أتاح فرصة نادرة أمام واشنطن لفتح قنوات دبلوماسية جديدة مع حكومتين ناشئتين، في وقت ترى الإدارة الأميركية أن عام 2025 يمثل "عام الفرصة" بالنسبة لترامب كي يترك بصمة سلام تاريخية، بحسب ما نقل التقرير عن مسؤولين أميركيين.
رفع العقوبات عن دمشق وبداية مسار غير مسبوق
في خطوة مفاجئة، أعلن ترامب في مايو الماضي رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، ثم كلّف صديقه المقرب منذ أربعة عقود، توم باراك، بمهمة المبعوث الخاص إلى دمشق. أوكلت إلى باراك مهمة بالغة التعقيد: إعادة العلاقات الأميركية–السورية إلى مسار مستقر، وفتح الباب أمام اتفاق محتمل مع إسرائيل.
ورغم أن الطريق لا يزال مليئاً بالعقبات، نجح باراك في احتواء أزمة ميدانية خطيرة اندلعت في يوليو بعد قصف إسرائيلي استهدف دمشق واشتعال مواجهات قرب مدينة السويداء. وبتنسيق مع وزير الخارجية ماركو روبيو، تمكن باراك من التوصل إلى تهدئة هشة، قبل أن يطلق مبادرة لعقد اجتماعات ثلاثية جمعت مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس.
الاجتماع الأول، الذي ضم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الإسرائيلي رون ديرمر، كان أول لقاء رفيع المستوى بين الجانبين منذ مفاوضات رعتها إدارة بيل كلينتون عام 2000. وبعد أسابيع، انعقد اجتماع ثانٍ تلاه إعلان رسمي من وكالة الأنباء السورية عن المحادثات، في سابقة هي الأولى منذ أكثر من ربع قرن.
قضايا إنسانية وأمنية على الطاولة
خلال هذه اللقاءات، جرى بحث إنشاء ممر إنساني نحو محافظة السويداء لإيصال مساعدات إلى الطائفة الدرزية، على أن تمر عبر إسرائيل. كما ناقش الطرفان، بحسب مصادر أميركية، إمكانية صياغة اتفاق أمني جديد يحل محل اتفاق فصل القوات الموقع عام 1974، بما قد يشكل خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات.
ورغم أن النتائج لا تزال محدودة، يرى مراقبون أن مجرد انخراط دمشق علناً في محادثات كهذه يمثل تحولاً لافتاً، خصوصاً أن سوريا خاضت عدة حروب مع إسرائيل منذ عام 1948.
الملف اللبناني.. نحو ما بعد "حزب الله"
لم يقتصر دور باراك على سوريا، إذ تولى منذ شهرين الملف اللبناني أيضاً. الهدف الأميركي المعلن هو دعم الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس جوزيف عون، وتشجيعها على اتخاذ خطوات عملية لنزع سلاح حزب الله وبناء أسس لعلاقات مستقبلية مع إسرائيل.
وبالفعل، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة تمثلت في تكليف الجيش بإعداد خطة لتجريد الميليشيات من سلاحها، وهو أمر لم يجرؤ أي طرف سياسي لبناني على طرحه بشكل رسمي في العقود الماضية.
في المقابل، تضغط واشنطن على إسرائيل من أجل خفض وتيرة ضرباتها الجوية في لبنان، والبدء بانسحاب تدريجي لقواتها من الجنوب، بما يخلق مناخاً من "الزخم الإيجابي"، بحسب ما نقل "أكسيوس" عن مسؤولين إسرائيليين.
قبل أيام، زار باراك ومعه الدبلوماسية الأميركية مورغان أورتيغوس تل أبيب، حيث اجتمعا برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعدد من الوزراء. وأكدت واشنطن في تلك الاجتماعات أن نجاح المسار اللبناني يعتمد على قدرة الجيش على كبح جماح حزب الله، فيما أبدت إسرائيل استعداداً لاتخاذ خطوات موازية شرط توفر الضمانات الأمنية.
تسوية شاملة أم رهانات محفوفة بالمخاطر؟
التقارير الأميركية تشير إلى أن هذه الجهود تسير بصمت بعيداً عن الأضواء، بخلاف الملفات الأكثر سخونة مثل غزة وأوكرانيا. لكنها تحمل في طياتها إمكانية فتح صفحة جديدة بين سوريا وإسرائيل، وإنهاء عقود من هيمنة "حزب الله" على القرار اللبناني.
مع ذلك، يرى محللون أن الطريق ما زال طويلاً، فالمصالح المتشابكة، والانقسامات الداخلية في كلا البلدين، إضافة إلى تشدد بعض الأوساط الإسرائيلية، قد تعيق أي اختراق سريع. فضلاً عن أن نفوذ ترامب نفسه، الذي يعوّل عليه مبعوثوه في إقناع الأطراف المتنازعة، قد يتراجع مع مرور الوقت إذا لم تتحول هذه المبادرات إلى نتائج ملموسة.
الخلاصة
بعيداً عن ضجيج الإعلام، يبدو أن إدارة ترامب تعمل على هندسة تسوية إقليمية مزدوجة عبر البوابتين السورية واللبنانية. ورغم أن المشهد ما زال في بداياته، إلا أن مجرد فتح قنوات علنية بين دمشق وتل أبيب، وطرح ملف سلاح حزب الله على طاولة الحكومة اللبنانية، يمثلان تطورين كبيرين قد يغيران معادلة الصراع في المنطقة إذا ما كُتب لهما النجاح.
وبينما ينشغل العالم بملفات أخرى، تتشكل في الكواليس ملامح مسار مختلف قد يجعل من عام 2025 عاماً مفصلياً في سجل الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، وفق ما خلص إليه تقرير أكسيوس.