خلافات حول “الانسحاب” و “الأمن”… هل تصل المفاوضات بين إسرائيل وسوريا إلى نتيجة؟

تشهد المفاوضات الأمنية المنظمة بوساطة الولايات المتحدة بين إسرائيل وسوريا مرحلة دقيقة وحاسمة، مع استمرار الخلافات العميقة حول مفهومَي الانسحاب والدور الأمني، وهو ما يثير تساؤلات جدّية حول إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين في ظل مصالح إستراتيجية متباينة.

وقال موقع "مودرين دبلوماسي" إن التحركات الحالية تؤكد أن هذه المفاوضات ليست مجرد حوار شكلي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية الأميركية على تحقيق تهدئة دائمة على الحدود السورية الإسرائيلية بعد عقود من التوترات والصراع المباشر.

خلفية المفاوضات وأهداف الوساطة الأميركية

استؤنفت المفاوضات بين دمشق وتل أبيب في يناير 2026 بعد توقف دام لعدة أشهر، وكان آخر جولة قبل ذلك في أكتوبر 2024، وسط ضغوط أميركية لدفع الجانبين إلى طاولة الحوار. الوفد السوري بقيادة وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات وضع على رأس أجندته مطلب انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما كانت عليه قبل ديسمبر 2024، معتبرًا ذلك “خطًا أحمر” في سياق استعادة السيادة الوطنية الكاملة.

بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، لا يرتبط الحوار بإخراج قواته بصورة مطلقة، بل يرتبط بتأمين ضمانات أمنية في الجنوب السوري ومنطقة هضبة الجولان والمناطق الحدودية التي تعتبرها تل أبيب خطوط دفاع إستراتيجية. إسرائيل أصرت على أن أي اتفاق يجب أن يشمل مناطق منزوعة السلاح وتدابير لحماية الأقليات مثل الطائفة الدرزية التي تعيش في المناطق المتنازع عليها، معتبرة أن هكذا ترتيبات أفضل من انسحاب كامل وغير مشروط.

هذه الاختلافات الأساسية حول معنى الانسحاب الأمني ومضمونه تعكس اختلاف رؤى الطرفين بشأن مستقبل العلاقة الأمنية بين البلدين، ما يجعل المفاوضات في حكم التحدّي الإستراتيجي المعقد.

مفاهيم “الانسحاب” مقابل “الأمن”: مقارنة بين المواقف

ترى دمشق أن انسحاب إسرائيل ليس فقط إزالة قوات من أراضٍ سورية، بل استعادة كاملة للسيادة ووقف أي تدخلات عسكرية أو استخباراتية في الشؤون الداخلية. يُنظر إلى الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 كاحتلال غير قانوني يتعارض مع مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول ذات السيادة. وبالتالي، يطالب الجانب السوري باستعادة حدود ما قبل هذا التاريخ بما في ذلك المناطق التي تم السيطرة عليها خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت انهيار النظام السابق.

من جهة أخرى، تركز إسرائيل على الأمن كأولوية قصوى، وتعتبر أن الانسحاب الكامل دون ترتيبات أمنية قد يخلق فراغًا يستغله تنظيمات مسلحة أو قوى إقليمية معادية تقع في نطاقها الجغرافي. تل أبيب ترى أن المناطق منزوعة السلاح يجب أن تكون جزءًا من أي اتفاق، مع مراقبة دولية للأوضاع الأمنية لضمان عدم استفادة جهات مثل إيران أو حزب الله من السيطرة على المجال السوري.

يمثل هذا التباين في تعريف “الانسحاب” و”الأمن” جوهر الخلاف في المحادثات. بينما تطمح سوريا إلى انسحاب كامل يعيد لها السيادة بملء الكلمة، ترى إسرائيل أن هذا الخيار قد يهدد أمنها القومي، ما يدفعها إلى المطالبة بـ”انسحاب مشروط ومرتكز على ضمانات أمنية”.

السياق الإقليمي والدور الأميركي

الولايات المتحدة من جانبها تصرّ على أن المفاوضات لا تهدف فقط إلى وقف العنف على حدود مشتركة، بل إلى ترسيخ استقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط، وربما تمهيد الطريق إلى تطبيع جزئي في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية إذا ما تحقق تقدم. إدارة الرئيس الأميركي سعت خلال الأشهر الماضية إلى دفع الجانبين لاستئناف الحوار بعد تباطؤ ملحوظ منذ أواخر 2024 عندما توقفت الاجتماعات بانتظار مواقف جديدة من كلا الطرفين.

يشمل الدور الأميركي وساطة في اجتماعات قيادة وتنسيق مع جهات إقليمية أخرى تهتم بوقف التوترات، لكنه يواجه تحديات دبلوماسية حقيقية بسبب اختلاف المصالح بين دمشق وتل أبيب، فضلاً عن عوامل تؤثر على موقف كل طرف داخليًا وخارجيًا.

الفرص والعقبات أمام اتفاق مستدام

من منظور التحليل، هناك فرص حقيقية للتوصل إلى اتفاق جزئي في المدى القريب إذا نجح الوسطاء الأميركيون في التوفيق بين المطالب السورية المتعلقة بالانسحاب واحتياجات إسرائيل الأمنية. مثل هذه الصيغة يمكن أن تقوم على انسحاب مرحلي تحت إشراف دولي، وتطبيق تدابير أمنية متقدمة لضمان عدم نشوء تهديدات مستقبلية.

لكن العقبة الأكبر تكمن في أن كلا الطرفين يُنظر إلى الأمر من خلال عدسة سيادية وقومية: دمشق تعتبر الانسحاب الكامل مسألة سيادة وطنية لا يمكن التنازل عنها، بينما ترى إسرائيل أن أي انسحاب بلا ضمانات أمنية قد يعرضها لخطر محيط عدائي. هذا التباين في المصطلحات الأساسية يجعل الاتفاق الشامل صعبًا ما لم يتم خلق صيغة وسط يتم الاتفاق عليها دوليًا.

خاتمة: إلى أين تتجه المفاوضات؟

في النهاية، تبقى مفاوضات سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية اختبارًا حقيقيًا للدبلوماسية في استعادة الاستقرار بين دولتين كانتا على شفير العداء لعقود. التوصل إلى اتفاق بشأن الانسحاب والأمن سيكون مؤشرًا قويًا على إمكانية حل نزاعات إقليمية أكبر، بينما استمرار الخلافات قد يعيد المنطقة إلى حلقة من التصعيد والتوتر المتواصل. وكلما استطاع الوسطاء الأميركيون وأكثرهم تجربة وحساسية للصراعين الإستراتيجي والأمني، ازداد احتمال الوصول إلى صيغة توافقية تستطيع أن تحقق سلامًا مستدامًا يقلّل التوتر على الحدود ويمهّد لآفاق أوسع في التعاون الإقليمي والعالمي.

Previous
Previous

تحليل: انسحاب القوات الإماراتية من اليمن ترك "فراغًا أمنيًا خطيرًا"

Next
Next

الفنان المصري شريف سلامة: أحب العمل مع نيللي كريم وهي رائعة