"نيويورك تايمز": ناقلات نفط تغير مسارها بعد تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر

سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على تداعيات تهديدات جماعة الحوثيين باستهداف حركة الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، معتبرة أن هذه التهديدات لا تستهدف ممراً بحرياً عادياً، بل تهدد أحد أهم البدائل التي لجأت إليها الرياض لنقل النفط بعد تصاعد التوترات العسكرية في الخليج واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأوضح التقرير أن الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من تصعيد أميركي واستهداف متبادل لمنشآت وممرات بحرية، دفعت السعودية إلى زيادة اعتمادها على "خط أنابيب الشرق-الغرب"، الذي ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، لتجنب المرور عبر مضيق هرمز الذي ظل لعقود الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخليجية.

لكن هذا البديل، بحسب الصحيفة، يواجه اليوم تحدياً جديداً بعد إعلان الحوثيين نيتهم فرض حصار على السفن المتجهة من وإلى السعودية عبر البحر الأحمر، وهو ما قد يضع تجارة النفط العالمية أمام أزمة إضافية إذا تطورت التهديدات إلى هجمات فعلية.

وأشار التقرير إلى أن الجزء الأكبر من النفط الذي يصل إلى ميناء ينبع يغادر لاحقاً عبر "مضيق باب المندب"، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، والذي يقع بمحاذاة السواحل اليمنية، بالقرب من مناطق يسيطر عليها الحوثيون. ويُعد المضيق حلقة وصل رئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتعبره يومياً ناقلات نفط وسفن تجارية تحمل بضائع متجهة إلى أوروبا وآسيا.

وترى الصحيفة أن أي اضطراب في باب المندب سيحرم الأسواق من أهم بديل لمضيق هرمز، خاصة أن البدائل الأخرى أكثر تكلفة وأطول زمناً. فجزء محدود فقط من النفط السعودي يمكن أن يصل إلى البحر المتوسط عبر خط الأنابيب المصري "سوميد"، بينما يمر جزء آخر من المنتجات النفطية عبر قناة السويس، وهو ما يعني أن أي اضطراب متزامن في هذه المسارات سيزيد الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية.

وبحسب التقرير، بدأت المخاوف الأمنية تنعكس بالفعل على حركة الملاحة، إذ أظهرت بيانات شركة "كبلير" المتخصصة في تتبع حركة السفن أن ناقلتي النفط "رودوس" و"لونج جين يانج"، اللتين كانتا متجهتين نحو مضيق باب المندب، قامتا بتغيير مسارهما والعودة قبل عبور المضيق، في مؤشر على أن بعض شركات الشحن بدأت تتعامل بحذر مع التهديدات الحوثية، حتى قبل وقوع أي هجمات جديدة.

ورغم ذلك، أوضحت "نيويورك تايمز" أن أسواق النفط لم تُظهر حتى الآن حالة من الذعر، إذ بقي سعر خام برنت قرب "91 دولاراً للبرميل"، وهو مستوى قريب من الأسعار التي سبقت إعلان الحوثيين تهديداتهم. ويعكس ذلك، وفق الصحيفة، اعتقاد المتعاملين بأن الجماعة قد لا تنفذ تهديداتها بصورة واسعة، أو أن أي تعطيل محتمل سيكون محدوداً ويمكن احتواؤه.

غير أن مراقبين يرون أن الأسواق لا تقيس المخاطر بالأسعار وحدها، إذ إن مجرد اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها أو تأخير رحلاتها يرفع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما ينعكس تدريجياً على أسعار النفط والسلع عالمياً.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه البحر الأحمر توتراً متزايداً منذ أواخر عام 2023، عندما بدأت جماعة الحوثيين تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ وزوارق مفخخة استهدفت سفناً تجارية وعسكرية، ما دفع الولايات المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى إطلاق عمليات بحرية لحماية الملاحة الدولية، كما دفع كثيراً من شركات الشحن إلى تحويل مسارات سفنها بعيداً عن البحر الأحمر، عبر رأس الرجاء الصالح، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة في زمن الرحلات وتكاليفها.

ويرى خبراء في شؤون الطاقة أن أهمية "خط أنابيب الشرق-الغرب" ازدادت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إذ تبلغ طاقته التصميمية نحو "خمسة ملايين برميل يومياً"، ويمنح السعودية مرونة في تصدير جزء كبير من إنتاجها دون الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، الذي ظل دائماً عرضة للتوترات الإقليمية.

لكن التقرير يخلص إلى أن هذا الخط لا يلغي أهمية البحر الأحمر، لأن النفط المنقول عبره يحتاج في النهاية إلى العبور بحراً نحو الأسواق العالمية، وهو ما يجعل باب المندب حلقة لا يمكن تجاوزها بسهولة. وإذا تحولت تهديدات الحوثيين إلى واقع ميداني، فإن أسواق الطاقة قد تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث يصبح كل من مضيق هرمز وباب المندب مصدرين متزامنين للمخاطر.

وتشير الصحيفة إلى أن استمرار هذا المشهد يفرض تحديات متزايدة أمام الدول المستوردة للنفط وشركات الشحن، التي باتت مطالبة بالتعامل مع بيئة أمنية أكثر تقلباً في اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم. وبينما تواصل القوى الدولية جهودها لتأمين خطوط الملاحة، يبقى مستقبل تدفقات النفط عبر البحر الأحمر مرتبطاً بمدى تطور التوترات الإقليمية، وما إذا كانت التهديدات الحوثية ستظل في إطار الرسائل السياسية أم ستتحول إلى تصعيد ميداني جديد يعيد رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية.

Next
Next

مستثمر سوري بالسعودية: فخورون بالمشاركة في إعادة إعمار وطننا