معهد أوروبي: الجيش السوري الجديد بين تعدد الولاءات وضعف القيادة المركزية
مر عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، وما زالت سوريا تواجه تحديات جسيمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش الوطني الجديد، وفق تقرير حديث لـ"معهد أوروبا الجديد".
مركز الأبحاث الأوروبي المتخصص في الشؤون الدولية والأمنية، ألقى الضوء على الوضع الراهن للجيش السوري، مؤكدًا أن تعدد الولاءات وضعف القيادة المركزية يمثلان أكبر العقبات أمام بناء قوة عسكرية متماسكة وفعّالة، وهو ما ينعكس أيضًا على بقية مؤسسات الدولة واستقرارها.
انهيار الجيش القديم وبداية جديدة
مع سقوط النظام السابق، انهار الجيش السوري الذي كان العمود الفقري للدولة المركزية، تاركًا فراغًا أمنيًا هائلًا. هذا الانهيار شمل جميع المستويات، من الضباط الكبار إلى وحدات القتال الأساسية، ما جعل أي محاولة لإعادة بناء الجيش تواجه صعوبة كبيرة.
الفراغ العسكري سمح للفصائل المسلحة، التي شاركت في النزاع ضد النظام، بالسيطرة على المشهد العسكري. إلا أن هذه الفصائل لم تكن موحدة بطبيعتها، إذ تمثل طيفًا متنوعًا من الولاءات: طائفية، قبلية، وأيديولوجية، بالإضافة إلى ولاءات خاصة لقادة الفصائل. هذا التنوع تسبب في ضعف الانضباط العسكري وتفاوت الالتزام بأوامر القيادة المركزية، بحسب التقرير.
وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية تجد صعوبة في فرض السيطرة على الفصائل، وهو ما يقوض مصداقية الدولة ويترك الجيش في حالة هشاشة نسبية. الفصائل التي تتمتع بنفوذ محلي كبير غالبًا ما تتصرف بشكل مستقل، ما يزيد من تعقيد مهمة إعادة بناء جيش قوي وموحد.
التحديات اللوجستية والبنى التحتية
إلى جانب تعدد الولاءات، يواجه الجيش الجديد نقصًا شديدًا في التجهيزات العسكرية الحديثة ووحدات التدريب وأنظمة الاتصال الموحدة. التمويل غالبًا مستقل للفصائل، ما يزيد من الفوضى ويجعل القيادة المركزية عاجزة عن التحكم الكامل في الموارد والإمكانيات. هذه المشاكل اللوجستية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الجيش على أداء مهامه الأمنية ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
الوضع الاقتصادي والإنساني
التحديات العسكرية تتزامن مع أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة. الاقتصاد السوري يعاني انهيارًا شبه كامل بعد سنوات الحرب الطويلة، مع انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات الفقر. حوالي 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ويعانون من نقص في الغذاء والماء والخدمات الأساسية. النظام الصحي متهالك، والأوبئة تنتشر بسهولة بسبب سوء البنية التحتية الصحية ونقص النظافة العامة.
التحولات السياسية
سوريا ما بعد الأسد شهدت ولادة نظام سياسي جديد بقيادة الحكومة الانتقالية، مع إعلان دستوري مؤقت وبدء عمليات انتخابية غير مباشرة لتشكيل البرلمان. ورغم ذلك، السلطة المركزية ما زالت ضعيفة في العديد من المناطق، ويعتمد الحكم بشكل كبير على توازن القوى بين الفصائل المحلية والمكونات المجتمعية المختلفة. التقرير يشير إلى أن الفصائل المسلحة أصبحت لاعبًا سياسيًا مهمًا، ما يجعل السياسة الأمنية مرتبطة بالولاءات المحلية بدلاً من المصالح الوطنية.
الأمن والمجتمع
استمرار العنف الطائفي والمخاطر الأمنية يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المجتمع السوري. الأقليات الدينية والعرقية، بما فيها العلويون والمسيحيون والدروز، تواجه ضغوطًا ومخاطر متزايدة. كما أن الجماعات المتطرفة، بما فيها بقايا تنظيم الدولة الإسلامية، تستغل الفراغ الأمني والضعف العسكري لتوجيه ضربات محدودة، مما يزيد من هشاشة البلاد ويعرقل جهود إعادة البناء.
المؤسسات والدولة
إعادة بناء المؤسسات الحكومية من تعليم وخدمات مدنية إلى إدارة الأمن والشرطة، تسير بوتيرة بطيئة. انهيار البنية القديمة فرض على الحكومة الانتقالية تحديًا مزدوجًا: إنشاء مؤسسات جديدة ودمج الفصائل المسلحة ضمن إطار الدولة. هذا التحدي يتطلب توازنًا دقيقًا بين فرض السلطة والحفاظ على الولاءات المحلية، وهو ما يصعب المهمة بشكل كبير.
العلاقات الدولية
وضع الجيش الجديد وغياب السيطرة المركزية ينعكس على السياسة الخارجية. سوريا أصبحت أكثر اعتمادًا على القوى الإقليمية والدولية، سواء لتقديم الدعم العسكري أو لضمان استقرار الحدود. التوترات مستمرة مع إسرائيل وإيران، بينما تحاول الحكومة الانتقالية فتح قنوات تعاون جزئية مع الغرب والدول الخليجية لجذب الاستثمار ودعم جهود إعادة الإعمار.
خاتمة
تقرير معهد أوروبا الجديد يؤكد أن الجيش السوري الجديد يقف عند مفترق طرق: إما أن يتحول إلى قوة مركزية متماسكة تدعم الدولة وتفرض الأمن، أو يستمر في حالة هشاشة وتفكك، مما يهدد استقرار البلاد. تعدد الولاءات وضعف القيادة المركزية يمثلان حجر عثرة أمام بناء جيش قادر على فرض النظام وحماية الدولة. وعلى الرغم من هذه التحديات، يبقى الجيش خطوة أساسية نحو إعادة البناء، شرط إجراء إصلاحات شاملة في القيادة، وتوفير الدعم اللوجستي، وتدريب الكوادر لضمان أن يتحول الجيش إلى دعامة حقيقية للدولة السورية واستقرارها الداخلي والخارجي.