انهيار اقتصادي غير مسبوق.. أكثر من مليون عاطل وغلاء قياسي في إيران

وكالات - “جسور نيوز”

تعيش إيران واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية في التاريخ الحديث، وسط تداعيات حرب ممتدة أدت إلى انهيار واسع في سوق العمل، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء، وتراجع حاد في النشاط التجاري والصناعي. ومع استمرار التوترات الإقليمية وإغلاق أحد أهم الممرات التجارية العالمية، تبدو البلاد أمام معادلة صعبة بين استمرار الضغوط الخارجية وتفاقم الأزمة الداخلية، في وقت تراهن فيه كل من طهران وواشنطن على انهيار الطرف الآخر اقتصاديًا وسياسيًا.

تقديرات رسمية أظهرت فقدان أكثر من مليون شخص وظائفهم بشكل مباشر نتيجة الحرب، بينما تضرر ما يقرب من مليون آخرين بصورة غير مباشرة، ما يعني أن شريحة واسعة من القوة العاملة في البلاد أصبحت خارج دائرة الإنتاج، ويأتي ذلك في اقتصاد يضم عادة نحو 25 مليون عامل، ما يعكس حجم الصدمة التي أصابت سوق العمل الإيراني خلال فترة قصيرة، حسب جريدة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

انهيار سوق العمل وتراجع الإنتاج

يمثل انهيار سوق العمل أحد أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث توقفت أو تقلصت أنشطة آلاف الشركات والمصانع بسبب نقص المواد الخام، وتعطل سلاسل الإمداد، وصعوبة الاستيراد والتصدير. وأفاد سكان محليون بأن العديد من المصانع، خاصة في قطاعات الحديد والبتروكيماويات والصناعات التحويلية، تعمل بطاقة منخفضة أو أغلقت أبوابها بالكامل نتيجة نقص المواد الأولية وارتفاع تكاليف التشغيل.

كما تأثرت قطاعات التجزئة والخدمات بشكل كبير، مع ارتفاع أسعار السلع المستوردة مثل الأجهزة الإلكترونية والمواد الغذائية، ما أدى إلى تراجع الطلب المحلي وإغلاق المزيد من المتاجر الصغيرة. ويؤكد خبراء اقتصاد أن الحرب لم تخلق الأزمة من الصفر، لكنها سرعت وتيرة الانهيار في اقتصاد كان يعاني بالفعل من عقوبات دولية طويلة الأمد وتراجع قيمة العملة المحلية.

وتشير بيانات البنك المركزي الإيراني إلى أن معدل التضخم السنوي وصل إلى 67% خلال شهر واحد، وهو مستوى غير مسبوق منذ عقود، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين بشكل حاد. وارتفعت أسعار اللحوم المدعومة، التي كانت تُستورد غالبًا عبر البحر، إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر، حيث وصل سعر الرطل إلى نحو 3.60 دولار، في بلد لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور نحو 130 دولارًا شهريًا.

تضخم قياسي وضغط معيشي خانق

يمثل التضخم المتسارع أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمع الإيراني اليوم، إذ أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع الأساسية تقريبًا، من الغذاء إلى الوقود والدواء. ومع انهيار القدرة الشرائية، باتت شريحة واسعة من السكان غير قادرة على تلبية احتياجاتها اليومية الأساسية، وفق شهادات سكان تحدثوا عن أن “تكاليف المعيشة لم تعد محتملة”.

ويصف خبراء اقتصاديون الوضع بأنه “الأضعف في تاريخ إيران الحديث”، مشيرين إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار مع انخفاض الدخل الحقيقي يخلق حالة من الانكماش الاقتصادي العميق. كما أدى نقص المواد المستوردة، خاصة الغذاء والمواد الصناعية، إلى تفاقم الأزمة، في ظل صعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية بسبب القيود المفروضة على التجارة البحرية.

وتضيف الأزمة الطاقية بعدًا آخر للضغوط الاقتصادية، إذ أدت الحرب إلى تضرر البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك منشآت صناعية رئيسية وموانئ حيوية، ما رفع تكلفة إعادة الإعمار إلى نحو 270 مليار دولار، وهو رقم ضخم مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي الإيراني الذي لا يتجاوز 341 مليار دولار سنويًا.

مضيق هرمز والحصار البحري: قلب الأزمة الاقتصادية

في قلب الأزمة الاقتصادية الإيرانية يقف مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا. فقد أدى إغلاق إيران للمضيق مع بداية التصعيد إلى شلل جزئي في حركة التجارة البحرية، قبل أن ترد الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، ما عمّق الأزمة بشكل كبير.

هذا التطور أدى إلى توقف شبه كامل لصادرات النفط الإيرانية، التي كانت تصل قبل الحرب إلى نحو 1.85 مليون برميل يوميًا، ما حرم الحكومة من أهم مصدر للدخل بالعملة الصعبة. كما لم تسجل الأسواق أي مؤشرات على وصول شحنات النفط الإيرانية إلى المشترين الرئيسيين، ما يعكس فعالية الحصار المفروض.

وتشير تقارير ملاحية إلى أن إيران تحاول التحايل على القيود عبر استخدام مسارات بديلة عبر روسيا وآسيا الوسطى، مثل تركيا وأرمينيا وبحر قزوين، إضافة إلى بعض الممرات البرية. كما وصلت بالفعل شحنات من الحبوب والزيوت من دول مثل روسيا وكازاخستان لتعويض النقص الداخلي.

في المقابل، تحاول الحكومة الإيرانية احتواء الأزمة عبر إجراءات اقتصادية طارئة، تشمل رفع الأجور، وتوسيع الدعم الحكومي للسلع الأساسية، وتوزيع إعانات نقدية على الأسر الفقيرة. كما لجأت إلى فرض قيود على تصدير بعض المواد مثل الصلب، وإعادة توزيع الموارد الداخلية لضمان استمرار الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.

لكن رغم هذه الإجراءات، يظل الوضع الاقتصادي هشًا للغاية، مع استمرار تراجع الإيرادات الحكومية وارتفاع الطلب الاجتماعي. وتواجه السلطات تحديًا متزايدًا في الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي والاستمرار في المواجهة الخارجية.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن خبراء اقتصاديين أن إيران تعيش مرحلة من “الضغوط غير المسبوقة”، حيث تتقاطع الحرب مع العقوبات والانكماش الداخلي لتشكل أزمة مركبة تهدد بنية الاقتصاد ككل.

في النهاية، تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق حاسم، بين استمرار المواجهة التي تستنزف اقتصادها، أو التوصل إلى تسوية سياسية قد تفتح باب التعافي التدريجي. لكن حتى ذلك الحين، يبدو أن الكلفة الاقتصادية والبشرية للحرب ما زالت تتصاعد، في بلد يواجه واحدة من أصعب لحظاته الاقتصادية منذ عقود.

Next
Next

الكاتب والمحلل السياسي آلان سرکیس: محاولة الرئيس عون لاحتواء حزب الله فشلت