"أدنوك".. أرباح قياسية تدفع الشركة نحو توسع بمليارات الدولارات

تواصل شركة بترول أبوظبي الوطنية الإماراتية "أدنوك" توسيع استثماراتها في قطاع الغاز، مستفيدة من قاعدة مالية قوية وأداء تشغيلي أثبت قدرته على الصمود أمام تقلبات أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية، في وقت تراهن فيه أبوظبي على زيادة إنتاج الغاز وتعزيز مكانتها كمركز رئيسي للطاقة في المنطقة.

ويأتي الإعلان عن استثمارات جديدة بقيمة 8.2 مليار دولار ضمن مشروع "تطوير الغاز الغني" ليعكس انتقال الشركة من مرحلة تعزيز الأداء التشغيلي إلى مرحلة توسع أكبر تستهدف زيادة قدرات معالجة الغاز واستخلاص المنتجات الأعلى قيمة، بما يدعم نمو الإيرادات والأرباح خلال السنوات المقبلة، وتشمل العقود المرحلة الثانية من المشروع، التي تضيف وحدة جديدة لمعالجة الغاز في منشأة حبشان، والمرحلة الثالثة التي تتضمن وحدة لتجزئة سوائل الغاز الطبيعي في الرويس.

ويستند هذا التوسع إلى أداء مالي قوي حققته الشركة خلال العام الماضي، إذ سجلت أدنوك للغاز صافي دخل قياسياً بلغ نحو 5.2 مليار دولار في 2025، بزيادة 3% على أساس سنوي، رغم انخفاض متوسط سعر النفط بنحو 14% خلال العام. كما بلغت الإيرادات 23.5 مليار دولار، ووصلت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك إلى 8.6 مليار دولار.

ويبرز أداء نشاط الغاز المحلي باعتباره أحد أهم عناصر القوة في نموذج أعمال الشركة؛ إذ ارتفعت أرباحه قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بنسبة 10% خلال 2025، مدفوعة بنمو مبيعات الغاز المحلية بنحو 4%. وتوفر السوق المحلية بذلك قاعدة مستقرة للإيرادات، في وقت تتجه فيه الشركة إلى توسيع نشاطها في الأسواق الخارجية.

وتتضح قوة هذا النموذج أيضاً في سياسة التوزيعات، حيث وافق مساهمو الشركة على توزيعات قياسية بقيمة نحو 3.6 مليار دولار عن عام 2025، في إشارة إلى قدرة الشركة على الجمع بين تمويل خطط النمو والحفاظ على عوائد مرتفعة للمساهمين.

ولا تقتصر استراتيجية أدنوك للغاز على زيادة حجم الإنتاج، بل تستهدف تحقيق قيمة أعلى من موارد الغاز عبر تطوير البنية التحتية لمعالجته واستخلاص سوائل الغاز الطبيعي والمنتجات المرتبطة به. وتندرج هذه الخطط ضمن برنامج استثماري أوسع، إذ قالت الشركة إنها تعتزم استثمار نحو 28 مليار دولار بين عامي 2026 و2030 لدعم النمو.

ويأتي مشروع "تطوير الغاز الغني" في قلب هذه الاستراتيجية، إذ سيتيح للشركة معالجة كميات إضافية من الغاز وزيادة استرداد المنتجات الأعلى قيمة. ومع إضافة المرحلتين الثانية والثالثة، يصل إجمالي الاستثمارات المرتبطة بالمشروع إلى نحو 13.2 مليار دولار، ما يجعله أحد أكبر مشاريع النمو في تاريخ الشركة.

وتراهن أبوظبي من خلال هذه الاستثمارات على ارتفاع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، خصوصاً مع توسع مراكز البيانات وزيادة احتياجات قطاع الكهرباء والصناعة. كما تنظر الإمارات إلى الغاز باعتباره أحد عناصر أمن الطاقة، في ظل سعيها إلى تعزيز الاكتفاء المحلي وزيادة قدرتها على تصدير الغاز والمنتجات المرتبطة به.

وتتمتع أدنوك للغاز بالفعل بموقع قوي في السوق الإماراتية، إذ توفر نحو 60% من احتياجات البلاد من الغاز الطبيعي، فيما تمتد قاعدة عملائها إلى أكثر من 20 دولة. كما تمتلك الشركة قدرة للوصول إلى نحو 10 مليارات قدم مكعبة قياسية يومياً من الغاز، ما يمنحها قاعدة تشغيلية واسعة للتوسع.

لكن مسار النمو لا يخلو من تحديات، أبرزها الاضطرابات الأمنية التي شهدتها منطقة الخليج ومضيق هرمز خلال 2026. فقد تراجع صافي دخل الشركة في الربع الثاني إلى 665 مليون دولار، بانخفاض 52% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، نتيجة تأثر المبيعات بإغلاق المضيق واضطراب حركة الشحن. ومع ذلك، جاءت النتائج أفضل من نطاق التوقعات الذي حددته الشركة بين 400 و600 مليون دولار.

واللافت أن الشركة لم تتعامل مع هذه الضغوط عبر تقليص خططها الاستثمارية، بل واصلت تنفيذ استراتيجية التوسع. كما أن نحو مليار دولار من أصل 1.7 مليار دولار حققتها الشركة من صافي الدخل خلال النصف الأول من 2026 جاء من السوق المحلية، ما يعكس أهمية الطلب الداخلي في توفير قاعدة مالية تساعد الشركة على تجاوز اضطرابات الأسواق الخارجية.

وتستهدف أدنوك للغاز رفع أرباحها قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بأكثر من 60% بحلول 2030، وهو هدف يعكس الرهان على أن الاستثمارات الحالية ستترجم إلى زيادة في الطاقة الإنتاجية وتحسن في هوامش الربحية، وليس مجرد زيادة في حجم الإنتاج.

وبذلك، تبدو استراتيجية أدنوك للغاز قائمة على معادلة واضحة: الاستفادة من قوة السوق المحلية والأرباح المتراكمة لتمويل توسعات جديدة، وزيادة القيمة المستخرجة من الغاز، وتوسيع القدرة على التصدير، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توزيعات قوية للمساهمين.

وفي سياق أوسع، يتقاطع توسع أدنوك للغاز مع استراتيجية الإمارات لتعزيز حضورها في أسواق الطاقة العالمية. فالشركة الأم "أدنوك" تخطط لاستثمارات رأسمالية بقيمة 150 مليار دولار بين 2026 و2030، فيما تسعى أبوظبي إلى زيادة إنتاجها من النفط والغاز والاستفادة من احتياطياتها الكبيرة لتلبية الطلب المحلي والعالمي.

ويشير استمرار الاستثمار رغم ضغوط هرمز وتراجع الأرباح الفصلية إلى أن أدنوك للغاز تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل أعمالها على المدى الطويل، وليس مجرد التعامل مع أزمة مؤقتة. فبالنسبة للشركة، تمثل زيادة قدرات المعالجة والتصدير وتحويل الغاز إلى منتجات ذات قيمة أعلى أدوات أساسية للحفاظ على النمو في سوق طاقة تتجه فيه المنافسة العالمية نحو مزيد من الغاز الطبيعي والغاز المسال.

وفي المحصلة، فإن قوة أدنوك للغاز لا تظهر فقط في تسجيل أرباح قياسية، وإنما في قدرتها على تحويل تلك الأرباح إلى استثمارات جديدة، مع استمرار توزيع العوائد على المساهمين. وهذه المعادلة تمنح الشركة مساحة أوسع للمنافسة إقليمياً ودولياً، وتدعم في الوقت نفسه طموح الإمارات لترسيخ موقعها كقوة رئيسية في سوق الغاز والطاقة.

Previous
Previous

بعد غياب أكثر من 14 عاما.. أصالة تستعد للعودة إلى سوريا

Next
Next

مربو النحل بغزة يواصلون نشاطهم فوق أسطح المباني المتضررة رغم ظروف الحرب