"حرب إيران" تشق صف "حماس"
كشفت الحرب الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى عن تباينات واضحة داخل حركة "حماس"، بعدما أثار بيان رسمي للحركة جدلًا واسعًا بين قياداتها وأنصارها، وفتح الباب أمام سجال علني غير مسبوق حول طبيعة العلاقة مع طهران وموقع الحركة في الصراع الإقليمي.
وكانت الحركة قد أصدرت بيانًا أعربت فيه عن إدانتها لما وصفته بـ"العدوان الأميركي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران"، معتبرة أن الهجوم ينتهك قواعد القانون الدولي ويهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي الوقت ذاته، أكدت دعمها حق إيران في الرد على الهجمات، لكنها دعتها إلى تجنب استهداف دول الجوار.
هذه الصياغة المزدوجة – التي تجمع بين دعم إيران والتحذير من توسيع نطاق المواجهة – فجّرت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط القريبة من الحركة، وكشفت عن وجود قراءات مختلفة داخل صفوفها حول كيفية التعامل مع الحرب الإقليمية المتصاعدة.
ضغوط إقليمية معقدة
يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني د. تيسير عبد الله أن البيان يعكس حجم الضغوط السياسية التي تواجهها الحركة في هذه المرحلة الحساسة. ويشير إلى أن الدعوة لعدم استهداف دول الجوار قد تكون نتيجة ضغوط سياسية، خصوصًا من قطر التي تستضيف قيادة الحركة السياسية.
وبحسب عبد الله، فإن البيان بدا أقرب إلى تبني الرواية الخليجية بشأن الضربات الإيرانية، التي تتحدث عن استهداف مرافق مدنية، متجاهلًا الرواية الإيرانية التي تؤكد أن الهجمات موجهة ضد قواعد عسكرية أمريكية في تلك الدول.
ويضيف أن هذا التحول في الخطاب يشير إلى محاولة الحركة الموازنة بين حليفين رئيسيين لها: إيران وقطر، في وقت يبدو فيه الطرفان على موقفين مختلفين من تطورات الحرب.
كما يقرأ عبد الله الدعوة الواضحة في البيان إلى وقف سريع للحرب باعتبارها مؤشرًا على أن الحركة لا تنوي الانخراط عسكريًا في الصراع إلى جانب إيران، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة بعد الحرب المدمرة الأخيرة.
محاولة لردم الفجوة
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، القريب من الحركة، أن البيان يعكس محاولة لردم فجوة المواقف داخل الحركة نفسها.
ويقول إن جزءًا من قواعد الحركة ينظر إلى الصراع بوصفه امتدادًا لمعركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يدفعهم إلى تبني موقف أكثر انحيازًا لإيران. لكن الخلاف الحقيقي، بحسب القرا، لا يتعلق بدعم طهران بقدر ما يرتبط بتفسير الضربات التي طالت بعض دول الخليج.
ويضيف أن الجدل يدور حول سؤال أساسي: هل كانت تلك الضربات استهدافًا مباشرًا لدول الخليج، أم أنها ضرب للقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها؟
ويرى القرا أن إدارة هذا الصراع تتطلب قدرًا كبيرًا من البراغماتية، بحيث لا تتحول المواجهة مع الولايات المتحدة إلى صدام مباشر مع دول عربية يمكن الحفاظ معها على قنوات سياسية.
خطاب التوازن
من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل الفلسطيني إبراهيم المدهون، المقيم في تركيا والمقرب من الحركة، أن البيان يعكس محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين المواقف.
وأوضح أن دعوة الحركة إلى تجنب استهداف الدول العربية تعكس حرصها على حصر المواجهة في إطار الصراع مع إسرائيل، وعدم الانجرار إلى صراعات إقليمية أوسع.
كما نقل المدهون عن قيادات في الحركة نفيها القاطع تعرض البيان لأي ضغوط خارجية، مؤكدين أن صياغته جاءت نتيجة نقاشات داخل مؤسسات الحركة.
ويرى أن الحركة تسعى في هذه المرحلة إلى تأكيد عمقها العربي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موقعها ضمن محور القوى المناهضة للسياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل.
انتقادات حادة من الداخل
لكن هذا التفسير لم يمنع موجة انتقادات واسعة من بعض النشطاء المؤيدين للحركة.
فقد اعتبر الناشط الغزي تامر مازن أن البيان يمثل "تغييرًا في المبادئ وانقلابًا على مشروع المقاومة"، مؤكدًا أن المرحلة الحالية لا تحتمل ما وصفه بالمجاملات السياسية.
كما انتقد حسابات داعمة للحركة ما وصفته بمحاولات "المناورة بين المواقف"، معتبرة أن حماس جزء من معادلة الصراع الإقليمي، ولا يمكنها الوقوف على مسافة واحدة من أطرافه.
وذهب بعض المنتقدين إلى أبعد من ذلك، إذ هاجموا قيادة الحركة في الخارج، واتهموها باتخاذ قرارات لا تعكس مواقف قيادات الحركة داخل غزة.
سجال حول قيادة الخارج
وأثار هذا الجدل انتقادات حادة طالت شخصيات بارزة في الحركة، أبرزها رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، بعدما اعتبر منتقدون أن البيان يعكس توجهًا لقيادة الخارج يسعى إلى مراعاة مواقف بعض الدول العربية.
في المقابل، دافع صحفيون ونشطاء مقربون من الحركة عن البيان، مؤكدين أنه صدر عن مؤسسات الحركة وليس قرارًا فرديًا.
وقال الصحفي اللبناني خيري الدين الجابري إن البيان يمثل اجتهادًا سياسيًا في لحظة معقدة، مشيرًا إلى أن الحركة تحاول توزيع الأدوار بين جناحيها السياسي والعسكري للحفاظ على علاقاتها الإقليمية دون خسارة دعم إيران.
وأشار إلى أن هذا النهج يسمح للحركة بالحفاظ على علاقاتها مع دول مثل قطر وتركيا، مع الاستمرار في تلقي الدعم العسكري من إيران.
انقسام بين تيارين
تكشف هذه السجالات، وفق مراقبين، عن وجود تيارين داخل الحركة: الأول يميل إلى الحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران باعتبارها الداعم العسكري الأبرز للحركة، ويضم شخصيات وقواعد تنظيمية تتركز بشكل كبير داخل غزة.
أما التيار الثاني فيميل إلى تبني خطاب سياسي أكثر حذرًا، يراعي علاقات الحركة مع دول عربية وإقليمية تستضيف قياداتها أو تلعب دورًا في الوساطة السياسية، مثل قطر وتركيا.
ويرى ناشطون مؤيدون للحركة أن هذه التباينات ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا مع تصاعد الحرب الإقليمية، التي وضعت الحركة أمام معادلة معقدة بين تحالفاتها المختلفة.
معادلة صعبة
ويقول ناشطون مقربون من الحركة إن موقفها الحالي يعكس محاولة للتعامل مع واقع سياسي شديد التعقيد، حيث تحتاج الحركة إلى الحفاظ على دعم إيران العسكري، وفي الوقت ذاته عدم خسارة علاقاتها مع دول عربية تلعب دورًا مهمًا في ملف إعادة إعمار غزة والوساطات السياسية.
وبحسب هذا التفسير، فإن الحركة تحاول صياغة خطاب يوازن بين هذه الاعتبارات المتعارضة، وهو ما قد يفسر الصياغة المركبة لبيانها الأخير.
لكن الجدل الذي أثاره البيان يظهر بوضوح أن الحرب الإقليمية الحالية لم تقتصر آثارها على موازين القوى في المنطقة، بل امتدت أيضًا إلى داخل حركة "حماس" نفسها، لتكشف عن تباينات في الرؤية السياسية حول كيفية التعامل مع أحد أخطر الصراعات التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة.