من وقف الضربات إلى اتفاق أمني.. ماذا تريد سوريا وإسرائيل من محادثات الأردن؟
قالت جريدة "واشنطن بوست" إن المحادثات السورية - الإسرائيلية التي استضافتها الأردن أمس الأحد بوساطة أميركية، تفتح مسارًا جديدًا في علاقة شديدة الحساسية بين دمشق وتل أبيب، بعدما ركز الطرفان على بحث آليات لوقف العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، إلى جانب إحياء المفاوضات بشأن اتفاق أمني، قد وأتت هذه المحادثات بعد أيام من ضربة إسرائيلية استهدفت قاعدة جوية في شمال غربي سوريا، وفي ظل مخاوف من اتساع التوترات الإقليمية وانعكاسها على الأراضي السورية.
ونقلت الجريدة الأميركية عن وكالة الأنباء السورية "سانا" أن المحادثات ركزت على إنشاء آليات تمنع تكرار العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، فيما ناقش الجانبان كذلك الجهود الرامية إلى منع انتقال التوتر بين تركيا وإسرائيل، الدولتين المتجاورتين مع سوريا، إلى الأراضي السورية، وقد ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني، وضم رئيسي جهازي الاستخبارات العامة والاستخبارات العسكرية، في مؤشر على الطابع الأمني والسياسي للمحادثات.
دمشق تريد وقف الضربات
بالنسبة إلى الحكومة السورية، يبدو وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية الهدف الأكثر إلحاحًا. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، تواجه دمشق الجديدة تحديًا مزدوجًا يتمثل في تثبيت سلطتها الداخلية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بالتزامن مع التعامل مع تحركات إسرائيلية ترى أنها ضرورية لأمنها.
وتحاول الحكومة السورية، في هذا السياق، الانتقال من التعامل مع الضربات الإسرائيلية باعتبارها أمرًا مفروضًا إلى البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية تحد من تكرارها. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن "آليات" لوقف العمليات، إذ يشير ذلك إلى رغبة دمشق في وضع قواعد واضحة للتعامل بين الطرفين بدل بقاء العلاقة رهينة للضربات والردود العسكرية.
كما أن التوصل إلى تفاهم أمني يمكن أن يخدم هدفًا أوسع للحكومة السورية يتمثل في ترسيخ سيادتها على أراضيها. فكلما نجحت دمشق في تقليل العمليات العسكرية الأجنبية داخل البلاد، زادت قدرتها على تقديم نفسها بوصفها الطرف المسؤول عن إدارة الأمن على الأراضي السورية.
ماذا تريد إسرائيل؟
في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة للانتقال إلى تفاهم سياسي من دون الحصول على ضمانات أمنية. فالمسألة بالنسبة إلى تل أبيب ترتبط أولًا بمنع تشكل تهديدات عسكرية على حدودها، والتأكد من أن التحولات التي تشهدها سوريا لن تنتج واقعًا أمنيًا تعتبره إسرائيل خطرًا مباشرًا.
ولهذا فإن أي اتفاق أمني محتمل سيكون على الأرجح مرتبطًا بترتيبات ميدانية وضمانات تتعلق بالانتشار العسكري والنشاطات الأمنية في المناطق القريبة من الحدود، إلى جانب آليات للتعامل مع أي تطورات قد تعتبرها إسرائيل تهديدًا.
ويكتسب هذا الجانب أهمية أكبر مع دخول تركيا بصورة أكثر وضوحًا في الحسابات الأمنية داخل سوريا. فالضربة الإسرائيلية للقاعدة الجوية في شمال غربي سوريا جاءت بعد زيارة وفد تركي للموقع لمناقشة إعادة تأهيله، ما يعكس حساسية إسرائيل تجاه الدور التركي المتنامي في الساحة السورية.
واشنطن تبحث عن صيغة للتهدئة
وتبرز الولايات المتحدة باعتبارها الطرف القادر على توفير قناة اتصال مباشرة بين دمشق وتل أبيب. فالوساطة الأميركية لا تقتصر على نقل الرسائل، وإنما يمكن أن تساعد في صياغة ترتيبات أمنية يقبل بها الطرفان، خصوصًا في ظل غياب علاقات دبلوماسية مباشرة بين سوريا وإسرائيل.
وتشير المحادثات الحالية إلى أن واشنطن تحاول البناء على الاتصالات التي بدأت العام الماضي، عندما دخلت الحكومة السورية في مباحثات خلفية بوساطة أميركية مع إسرائيل، في أول اتصالات من هذا النوع منذ أكثر من عقد.
ويبدو أن الهدف الأميركي في المرحلة الحالية هو منع تحول سوريا إلى ساحة جديدة للتصعيد الإقليمي. فالتوتر بين إسرائيل وتركيا، إلى جانب النشاط العسكري الإسرائيلي داخل سوريا، يمكن أن يضيف عاملًا جديدًا إلى مشهد إقليمي شديد التعقيد. ومن ثم، فإن التوصل إلى تفاهمات محدودة قد يكون بالنسبة إلى واشنطن خطوة واقعية قبل التفكير في اتفاق أوسع.
اتفاق أمني أم مجرد تفاهم مؤقت؟
رغم أهمية المحادثات، لا يعني انعقادها أن دمشق وتل أبيب تقتربان بالضرورة من اتفاق شامل. فالهوّة بين الطرفين لا تزال كبيرة، كما أن إسرائيل لم تعلق رسميًا على الاجتماع، وهو ما يجعل من الصعب تحديد مدى استعدادها لتقديم التزامات سياسية وأمنية.
لكن مجرد انتقال الطرفين إلى مناقشة "اتفاق أمني" يمثل تطورًا مهمًا. فالمسار الحالي قد يبدأ بترتيبات لمنع الضربات والاحتكاكات العسكرية، ثم يتوسع تدريجيًا إلى تفاهمات أكثر تفصيلًا بشأن الحدود والانتشار العسكري وآليات فض الاشتباك.
كما أن نجاح هذا المسار سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة السورية على فرض سلطتها على الأراضي التي تسيطر عليها، وعلى مدى استعداد إسرائيل للتعامل مع دمشق الجديدة باعتبارها شريكًا قادرًا على تنفيذ التزامات أمنية.
مرحلة اختبار لدمشق وتل أبيب
في المحصلة، تبدو محادثات الأردن أقرب إلى محاولة لبناء أرضية أمنية مشتركة منها إلى مفاوضات سلام شاملة. دمشق تريد وقف الضربات والحصول على مساحة أكبر لإعادة بناء الدولة، بينما تسعى إسرائيل إلى ضمان ألا تتحول سوريا الجديدة إلى مصدر تهديد على حدودها.
أما الولايات المتحدة فتملك مصلحة في منع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خصوصًا في ظل تعدد بؤر التوتر في المنطقة.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمحادثات لن يكون في عقد اللقاءات بحد ذاته، وإنما في قدرة الأطراف على تحويل النقاش إلى إجراءات ملموسة: وقف العمليات العسكرية، إنشاء قنوات اتصال دائمة، ووضع قواعد واضحة للتعامل مع الحوادث الأمنية.
وإذا نجحت هذه الخطوات، فقد تصبح محادثات الأردن بداية لمسار أمني أطول بين سوريا وإسرائيل. أما إذا بقيت التفاهمات محدودة ومؤقتة، فمن المرجح أن تظل الضربات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية جزءًا من المشهد السوري، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام جولات جديدة من التصعيد والوساطة.